أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

قالها بحرقة: إنا بفراقك يا كميل لمحزونون!

منصور الصلبوخ · القطيف اليومالأربعاء 27 ديسمبر 2023، 5:29 م
قالها بحرقة: إنا بفراقك يا كميل لمحزونون!

من العبث أن نتصور النهايات عندما يدبّ الشيب في الرأس، ويهزل البدن، وتذوب الصحة. فملك الموت يخطف في كل يوم باقة كبيرة من الناس تضم الطفل والشيخ والمرأة والشاب والمريض، ويسلبهم من منازلهم ودورهم ومالهم وأهلهم ويواريهم التراب.

من أصعب المواقف في حياة كل منا هي لحظة الوداع. الوداع الذي لا رجعة فيه، يأتينا فجأة من دون تحضير ولا تقديم. وعندما نصدم بسماع خبر وفاة شخص ما قريب وعزيز، يخيّم الحزن، وتهتز أوتار القلب شجنًا، والجوارح بالخشوع والإحساس بالضعف مهما كبر المقام وعلت المراتب.

الولد هو الخليل، والسكن، والعزة، والعون، وخالص الأحباب، والمتعة، والجمال. وإذا كان الأبناء فرحة الدنيا وزينة الحياة فإن فقدهم هو الرزء الذي لا رزء بعده؛ فهو يقصم الظهر، ويهشم الضلوع، ويستنزف الدموع، ولولا الصبر الذي أمر به الدين لما استطاع المؤمن التغلب على حزنه الدفين.

لا أدري يا أبا علي - الأب الحاني الرحيم - كيف أصف لك حالة قراءتي خبر رحيل ابنكم الشاب كميل إثر سكتة قلبية حادة في بلاد الغربة، صدمني ذلك الخبر المؤلم، وغلبني حزن شديد. دومًا عندما ألتقيك نبدأ حديثنا المشترك عن الأبناء، وخصوصًا الابن كميل ودراسته في أستراليا كون ابني درس فيها. وفي غمرة حزن العائلة برحيل ابنها حسن قبل سنوات، جاءت هذه الفاجعة الخاطفة لتفجّر ينابيع الحزن في قلب الأم والأب وبقية الأسرة، وتُضاعف من حجم الوجع والألم القديم الذي لايزال بداخل قلب العائلة، وأضافت إلى بركان الحزن والألم حزنًا أكبر، هذه العائلة فجعت بفقد اثنين من أبنائها في عمر الزهر، واليوم. ستتبدل أحوال العائلة، وسيظل الحزن والمرارة والمعاناة يصاحبها بقية العمر، إن هذا الحزن يعمق من إيمانها بوجود حكمة أكبر منها. ومهما كان الألم عظيمًا والفاجعة كبيرة، إلا أن النفوس المؤمنة الصابرة تجد عناية الله عز وجل ورحمته تزيل كل أثر موجع ومفجع، ولا تملك إلا الصبر والرضا على هذا البلاء والامتثال لأمر الله تعالى، فمن منا لم يذرف الدمع ويتجرع مرارة الفراق؟! الحياة كلها شقاء وهموم. والإنسان هدف في هذه الدنيا لكل مصيبة، والموت هو الحقيقة الأكيدة في الوجود حتى وإن اختلفت أشكاله، وهكذا شاء القدر أن يحرمنا أعز وأحب من كان لنا في الحياة، فالإمام زين العابدين عليه السلام يدعو "اللهم ارضني بقضائك حتى لا أحب تأخير ما عجّلت ولا تعجيل ما أخّرت لعلمك بعاقبة الأمور كلها". إن كل شيء بقضاء وقدر فإذا قدّر الخالق شيئًا كان، وهو تعالى لا يظلم، كما لا يعطي شيئًا غير النعمة وما فيه مصلحة المؤمن. الموت حق، ولكن ما أشد إيلامه حين يخطف أعزاءنا. وكميل الشاب المقبل على الحياة ما وسعته الحياة، سافر إلى أقاصي العالم ليبحث عن آماله وأحلامه وتطلعاته، فأبواب الحياة مفتوحة على مصراعيها، وتمنح له التعليم والعمل والزواج والاستقرار، لقد قطف نصف ثمرة آماله بالتخرج بجدارة والعمل هناك، وإذ به في قمة عطائه ينتهي مشوار عمره لتحرمه من تحقيق أحلامه، لقد اختاره الله إلى جواره، خسارة كبرى، لكنها إرادة الله سبحانه وتعالى.

لحظات الفراق لا تنسى، يذيب قلب الأم ويفتت كبدها. الأم المفعم قلبها حبًا ورحمة وعطفًا على أبنائها. أما تسمعون الأمهات يتحببن إلى أولادهن بمثل هذه الكلمات: يا قلبي. ويا روحي. ويا عيني. وما شاكلها؟! فما مسّ ولدًا ضرّ إلا مسّ والدته أضعافه، ولا سالت من عروقه قطرة دم إلا تفجّرت لها من قلبها قطرات، ولا أربدّ في عينه نهار إلا أظلمت في عينها شموس، ولا غاب عن أبصارها إلا وزّعت نفسها حراسًا يسهرون على سلامته ودعوات تدرأ عنه السوء، وتسدّد خطاه إلى الفلاح، وإلى العش الذي منه طار، وعنه اغترب. وأما إذا اختاره الموت ولفّته ظلمة الرمس، فما من حكيم ولا خطيب ولا أديب ولا شاعر يستطيع أن يصف لكم ميتة واحدة من الموتات التي تموتها والدة فجعت بقلب من قلوبها. وحسن وكميل رحلا في وهج شبابهما، ستذرف أم علي شلال الدموع على ابنيها، ولن تكف، وستنقلب حياتها رأسًا على عقب، وستبقى في حال بائس رغم زهو الحياة وجمالها الرائع. وسيظل حزنها الشديد يلازمها بقية العمر. ولكن الرسالة التي نؤمن بها جميعًا، ولكل أم فقدت أعز وأحب من لها في الحياة، هو أن تصبر وتتذكر الله دائمًا. توكلي على الله ربكِ في كل الأمور واعتقدي أن مجاري الأمور بيده تعالى وهو القادر على كل شيء، هذه الوصفة العظيمة التي تنفعنا لمواجهة قسوة الحياة. هكذا يعيش المؤمن المصائب والمنغصات بالرضا والصبر. مدرستكِ أيتها الأم المؤمنة هي سيدتكِ العقيلة زينب سلام الله عليها، بصبرها وعزيمتها وثباتها، قُتل الرجال والشباب في كربلاء وبقيت النساء المنكوبات والسبايا والأطفال الصغار الجوع والعطش يفتت أكبادهم لكنهم امتثلوا لأمر الله تعالى. وقد وقفت الحوراء زينب عليها السلام على جسد أخيها الحسين عليه السلام ترمق بطرفها إلى السماء قائلة "اللهم تقبّل منّا هذا القربان القليل فداءً لوجهك الكريم" فاهتفي أيتها الأم المؤمنة الصابرة مع زينب هذا الهتاف أن يتقبّل الله ابنيكِ قربانًا إليه.

ختامًا، "الموت" ذلك المارد الخفي يقتحم المنازل الآمنة ليخطف أعزتنا على حين غرة. غمامة حزن وكآبة خيّمت على عائلة الحاج حسين بن علي الغمغام برحيل ابنها كميل فجأة دون مقدمات، لقد كان موفور الصحة والعافية يضج شبابًا ووسامة، دعائي لهذه الأسرة المباركة الميمونة أن يتغمد الله ابنيها كميل وحسن بوافر رحمته ويسكنهما فسيح جنانه، إنا لله وإنا إليه راجعون.