أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الاعتداء اللاواعي وفخ الحرية

سراج أبو السعود · القطيف اليومالسبت 30 ديسمبر 2023، 8:36 م
الاعتداء اللاواعي وفخ الحرية

للكلمة معنى يختلف في إدراكه وتصور منتهاه الناس بناء على نسبة استيعابهم له ولعواقبه القانونية والأخلاقية، في الوصف: حينما يسمع شخص كلمة (فقير) مثلًا فإن نسبة استيعابه العالية للمعنى تجعل خياله ربما يرى بيتًا تتساقط من كل جهاته نقاط الماء حين المطر، سجادة مهترئة مليئة برائحة العفن جراء ذلك الماء، ثياب مركونة في إحدى الزوايا، ثلاجة بها خمس بيضات قد لا تزداد بمثلها حينما لا يمنحهم دجاج البيت بيضًا بعددها، وقد يسمع آخر كلمة (فقير) فلا يجد في دماغه أي صورة، في الرأي: مثلًا قد يقول شخص: تعاليم تولستوي أروع من موروث دينكم، فيسمعها شخص يستحضر الاية (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) و(وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هو إلاّ وحْيٌ يُوحى) فيتصدع قلبه من مقارنة تولستوي بالله ونبيه وما في ذلك من تعدٍّ على المقدس المعصوم بحسب معتقده، بينما قد يسمعها آخر لا يختلف عن سابقه في المعتقد فلا يتأثر بشيء، لماذا إذن هذا الفرق؟! الجواب: لأن شخصًا استوعب نسبة عالية من المعنى وآمن به جعله يتأثر لهذه الكلمة أيّما أثر، في حين لم يكن ذلك للآخر بسبب عدم إداركه للمعنى وخطره، إذن فللكلام معانٍ ومضامين بعضها يكتنز وصفًا لحال، علم محض، دجل وتعدٍّ وكم آخر لا متناهٍ من ذلك، عدم الفهم العميق لهذه المعاني وعدم تصور أثرها قد يجعل الإنسان وبحسن نية يُخطئ التعبير فيسيء لشخص ما ولمعتقده ومبدأه من حيث لا يعلم فيصنع عداوات وبغضًا ما كان ليكون لو أدرك ما تحتمله كلماته من معنى وعاقبتها.

فضاء السوشيال ميديا منح الجميع منابر للكتابة، وبالنتيجة خلق خصالًا ينبغي أن تضاف إلى حزمة خصال التربية الحميدة الواجب على المربي أيًا كان مركزه من والدين، رمعلم، واعظ أن يسهم في ترسيخها في الأذهان وهي خصال حُسن استخدام الكيبورد دون تعدٍّ على أحد، إذا امتلك الإنسان ذلك السنسر الذي يجعله يلاحظ ويميّز الألفاظ المسيئة فإن قلمه سيكون أكثر حذرًا في الكتابة، هذا السنسر يستطيع الحصول عليه من خلال العلم، أو بأي طريقة علمية أخرى، حينما لا يدرك الكاتب ذلك ولا يريد أن يدرك فإن مصارحة شخص له بأن قلمه لم يتوقف عن الإساءة للآخر ومعتقده يجعله في حيرة من أمره ليعود لشريط كتاباته السابقة متعجبًا وباحثًا عن ذلك فلا يجد، هذا لأنه لم يتصور أول الأمر أن ما خطه قلمه مسيء وصادم ولا شك أنه لو علم لما كتب ذلك انطلاقًا من قناعة بأن الإنسان ليس عدائي الطبع.

من الجميل أن يكون الإنسان حذرًا في التعبير عن آرائه، من يعتقد أنه (حر) بمعناها المضاد لـ(عبد) سيكتب ما يعجبه من رأي دون حدود، ولكن هذه الحرية ستتحول إلى تعدٍّ حينما تمس مقدسات الآخرين ورموزهم، لذا لا يعجب هكذا نموذج من انزعاج الآخرين وفظاظتهم معه، ذلك أن عدم الاحترام يولد ردة فعل مشابهة وربما قاسية وهي حينها بلا شك منطقية في هذا الظرف ومبررة.