في القطيف.. بين عداوة وصداقة حكاية بطعم العسل.. غادة الغريافي دخلت المزرعة لقطف الطماطم الكرزية وخرجت منها «نحالة»

بين نحلة عدوة وأخرى صديقة، تسكن حكاية الشابة غادة عبد الله الغريافي؛ حكاية طعمها عسل ممتزج بنكهات مختلفة، بين نكهة مألوفة وأخرى قد تكون جديدة على متذوقيها، وبين ذلك كله محطات وفصول في حكاية واحدةٍ من نحالات القطيف.
طفلة تخاف لسعاتها
نشأت "غادة" بين إخوة لم يستهوهم عالم النحل ولا علاقة تربطهم به، وهي أيضًا كفردٍ من تلك الأسرة لم يخطر ببالها يومًا أن ذلك العالم سيكون جزءًا أساسيًا من يومياتها، لا سيما أنها كانت تخاف من تلك الحشرات الصغيرة.
تقول: في طفولتي كنت أخاف من النحل لأنني أسمع أن قرصتها مؤلمة، ولم يكن النحل وحده ما يرعبني في عالم الحيوانات والحشرات، فأنا أيضًا لا أحب الزواحف بأنواعها ولا الحيوانات التي تنفض نفسها لأنها تخلق لديّ شعورًا بأنها مليئة بالجراثيم.
صداقة في مزرعة زوجها
إذا كان ذلك ماضي ابنة القطيف، فكيف استطاعت أن تعقد صداقتها من تلك المخلوقة الصفراء الصغيرة، وتتخذ منها باب رزق؟!
تأخذنا "الغريافي" في رحلة وسط زوايا ذاكرتها، تعود بنا إلى وقتٍ قبل جائحة كورونا ببضعة أشهر حين استأجر زوجها مزرعة، واحضر فيها 3 خلايا للنحل، وكانت ترافقه لقطف الثمار، وهناك ولدت تلك الصداقة.
تحكي تفاصيل ارتباطها بعالم النحل قائلة: أصبحت أرافق زوجي لأشاركه قطف بعض الثمار، مثل الطماطم الكرزية والروزماري، والزعتر، والتين، وغيرها، لكنني كنت أخاف من النحل وأشعر دائمًا بأنها ستلسعني إن اقتربت منها، لكن بعد فترة أصبحت أقترب شيئًا فشيئًا وأراقب زوجي وهو يفحص الخلية ويريني الحضنة وحبوب اللقاح والملكة، عندها أحببت عمله".
تفتح قفل الاستفهام بالبحث
بعد أن أحبت عمل زوجها بين تلك المخلوقات الصغيرة أرادت أن تقترب من عالمها بشكل أكبر، فأخذت تبحث عن بعض المعلومات المتعلقة بها، وبعض المسميات، مثل البروبليس ما هو؟ وما فوائده؟ وكيف يستخرج؟ وكيف تحمل النحلة حبوب اللقاح إلى الخلية؟ ولماذا توجد بعض النحلات على مدخل الخلية؟.
أسئلة كثيرة دارت في رأسها، وفتحت قفل استفاهماتها بالبحث والقراءة، حتى أزاحت عن رأسها جزءًا كبيرًا من غموض ذلك العالم.
مهام ومعرفة
ابتعدت علامات الاستفهام من رأسها، لكن سكن مكانها معلومات كثيرة، معلومات تتمحور حول مهامها كنحالة، تلخص تلك المهام بقولها: تعلمت فحص الخلايا للتأكد من سلامتها والتأكد أن العمل داخل الخلية كما يجب من وجود حاضنة وعسل وحبوب لقاح، وقد تعلمت ذلك كله وأكثر من زوجي وأيضًا بالبحث والقراءة، كما التحقنا أنا وهو بدورة مبسطة في تربية النحل مدتها أسبوع تعلمنا فيها بعض الأساسيات في تربيتها".
وكأي نحال أصبحت "غادة" ملمة بأنواع العسل وكيفية التفريق بين كل نوع، توضح ذلك بقولها: "يمكن لأي نحال أن يفرق بين الأعسال من اللون والرائحة والمذاق، فكل زهرة تعطينا عسلًا مختلفًا عن العسل الآخر باللون والمذاق والرائحة والقوام، وحتى الفوائد الغذائية والعلاجية.
لا يحب العطور
من بين المواقف الطريفة التي صادفتها مع نحلاتها، تحكي "غادة" موقفًا حدث معها في أول لقاء بينهما، تقول: "أول مرة ذهبت فيها للمنحل تفاجأت بأن النحل يقترب مني ويترك بقية الموجودين، وكان يحاول أن يهجم عليّ، فسألت: لماذا يسلك النحل هذا السلوك معي، عندها عرفت أنه يجب عدم استخدام العطور عند فحص المنحل أو الاقتراب منه".
نحالة رسمية بنكهة المانجروف
ابنة محافظة القطيف، وضعت قدمها بصورة رسمية في عالم النحالين، بنكهة من روح المنطقة، فعندما أصدرت وزارة الزراعة مبادرة عسل المانجروف أحبت أن تشارك في إنتاج هذا النوع من العسل.
تسرد قصة تحولها من نحالة هاوية إلى نحالة تحمل تصريحًا بممارسة المهنة، قائلة: بمجرد أن سمعت عن مبادرة إنتاج عسل المانجروف، بدأت في استخراج التصاريح والأوراق اللازمة لدخول الموسم وشاركت حينها بـ50 خلية في موسم المانجروف الأول، وأنتجت أول عسل لي وهو عسل المانجروف العضوي".
وتضيف: كل ذلك كان بفضل الله ثم بفضل وزارة البيئة والمياه والزراعة، لتقديمها كافة التسهيلات للنحالين في هذه الأمور، ولا أنسى دور زوجي في تشجيعي ودعمي ومساعدتي".
ومنذ أن لامست يداها أزهار المانجروف حتى اليوم، تمكنت من أن تكون ضمن النحالين الذين أنتجوا عسله خلال الموسمين السابقين، وقد وصفت تلك التجربة بالرائعة لأن نتاجها كان عسلًا مميزًا وغنيًا بالقيمة الغذائية والعلاجية.
مختلف ألوانه
من بين ما يخرج من بطون نحلاتها، تنتج "غادة" أنواعًا مختلفة من العسل، كما توفر منتجات متنوعة يدخل العسل في مكوناتها، ومنها عسل المانجروف وكذلك عسل أزهار الربيع وعسل السدر، وأدخلت العسل في منتجات قد تكون جديدة فصنعت عسل المانجروف "سبايسي" أو بنكهة الفلفل الحار، وهو حسب وصفها يتميز بمذاق مميز وحظي بإعجاب الكثيرين وهي توفره بالطلب.
وكغيرها من الكثير من النحالين، أدخلت المكسرات على العسل، وقد بينت في حديثها لـ«القطيف اليوم»، أن ذلك يزيد من القيمة الغذائية له، ويعد وجبة خفيفة لكنها صحية ولذيذة.
وأضافت: أيضًا أنتجت خل العسل العضوي، وهو خل مكون من طبقة الشهد، وقد بعت كل الكميات التي أنتجتها، بعد أن لاقت إعجاب زبائني، وعليها طلب مستمر".
وتابعت الحديث عن منتجاتها، موضحةً أنها أنتجت خلطة خاصة بالرجال والرياضيين، ومن مكوناتها حبوب لقاح العكبر والجنسنغ، وغذاء ملكات طلع النخيل، وكذلك أنتجت شراب السلسبيل، ومكوناته طبيعية، منها الكركم الطبيعي والزنجبيل الطبيعي والليمون والبرتقال، وهي تحلي تلك المكونات بعسل المانجروف، وتضيف له الزعفران الفاخر وفاكهة الباشن فروت.
ومضت في التعريف بمنتجاتها مبينةً أنها تصنع كريم مرطب للجسم ويعد كالفازلين، مكون من الشمع العضوي وبعض الزيوت عالية الترطيب والعسل ومسك الورد الطائفي، مضيفةً أنها قدمته في آخر مهرجانات العسل التي شاركت فيها بالقطيف على الواجهة البحرية، وأيضًا نفذت الكمية وأصبح الطلب عليه مستمرًا.
وكذلك توفر "الغريافي" توزيعات من العسل بأشكال وأحجام مختلفة بحسب طلب الزبائن.
800 كيلو من 165 خلية
اليوم وبعد مرور ما يقارب ثلاثة أعوام من دخولها عالم النحل، أصبحت "الغريافي" تنتج ما يقارب 800 كيلو في مواسم العسل، والإنتاج يتفاوت لديها على حسب الموسم وغزارة الرحيق وعدد الخلايا.
وهي تمتلك 165 خلية مقسمة إلى قسمين؛ قسم مخصص للتربية وقسم مخصص لإنتاج العسل، وقد أنتجت خلاياها في موسم المانجروف 450 كيلو من العسل تقريبًا، وفي موسم السدر 250 كيلو، وفي موسم الربيع 150 كيلو.
الحب يخلق الوقت
في ختام رحلتها أثبتت "غادة" أن من يحب شيئًا سيتمكن من أن يخلق له وقتًا وسط ازدحام يومه بمهامه الأساسية، فهي بعد عداوة وخوف من تلك الحشرات الصغيرة، أصبحت تقتطع لها رقمًا خاصًا من ساعة يومها، مقسمةً تلك الساعات بين احتياجات المنزل والأولاد والمنحل، الذي تستند في علمها به على زوجها الشريك الأول لحكاية نجاحها.









