مؤتة وحكاية بطل

كتبت قبلًا (أضواء على الهجرة إلى الحبشة) لدى صحيفة شرق غرب العمانية، وبعد مزيد مطالعة رأيت أن تستكمل رواية البطل بحكاية مؤتة محاولًا ترك الكثير من الوقفات والترقيم، ليكون السرد هو الغالب كما هو شأن الروايات والقصص وبالله التوفيق.
بعد عدة سنوات قضاها بطل الحكاية في الحبشة بعيدًا عن وطنه وأهله وعشيرته برفقة زوجٍ صالحةٍ كانت تسانده وتقف إلى جانبه برسوخ وإيمان وتفهم دوره الرسالي الذي كان يمارسه هناك، أعني أسماء التي أولدت له عبد الله وتنبأت بأن يكون له شأن في مستقبل الأيام، ولعلنا نكتب لأسماء يومًا حكاية فلديها الكثير ترويه لنا.
عاد بطلنا الشجاع الغطريف، والأسد الهصور، والفارس المذكور، جعفر إلى المدينة بعدما هاجر من مكة، وبعد ثبات الدولة، ورسوخ الدين، وبعد أن بدأ الرخاء يلوح في أفق الدولة الفتية عقب أيام الشدة والابتلاء.
جعفر الذي كتب عنه ابن الأثير في ترجمته، روايةً عن أبي هريرة: قال: ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا، ولا ركب الكور بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل من جعفر.
بدا أن نفسه لم تستطيب حياة الرخاء، فلم يؤثر استبقاء أجل أو استباق متعة، ولم يفكر بزوجٍ وأطفال وهو يرى أن الخطر مازال محدقًا بدولة ابن عمه رسول الله صلى الله عليه وآله في المدينة، لم يمكث صاحب المفاخر طويلًا حتى تاقت نفسه للقتال بما يملك من شجاعة بني هاشم المعروفة بين قبائل العرب، وبما حباه الله من موهبة وعزة وسيف في حمى الحرب لا يهدأ حتى يكرع من رقاب الأعداء.
جَمَعَ المَكَارِمَ لَو تَجَلَّى شَخصُهُ
لَوَجَدتَهُ مَجدًا أَثِيلًا خَالِصَا
بعد عام من عودته، شاءت الأقدار أن يجهّز النبي صلى الله عليه وآله جيشًا لمواجهة خطر الروم وصد جيش قيصر الذي يتشدق بالانتصارات المتتالية وقوة الجند والعتاد، وكأنه صلى الله عليه وآله كان يقرأ الأحداث ويدرس الأثر النفسي، فمن جانب كان جيش الروم ثملًا بنشوة النصر، متخمًا ببطنة الغنيمة، ومن جهة أخرى وجد جند المسلمين ذوي معنويات مرتفعة توّاقة للنصر وإعلاء الكلمة ونشر مبادئ العدل والحق، وبعد هذا التدبير، بقي تعيين القائد الذي سوف يخوض بهذا الجيش رمال الصحراء.
تفرس في رحلة هذا البطل الذي فصل بعقبانه وآساده عن المدينة واجتازها ولم ينل البعد والتعب من همته، إنما كلما تقدم ازداد نشاطًا وقوة، حتى انتهى إلى مؤتة.
قيصر الذي يقبع في قصرٍ مشيد يحرسه الجنود وتحيط به الوزراء والمستشارون، تناهى لسمعه أخبار جيش المسلمين وقائده العظيم، فأجمع على أن يقاتلهم بجيش هائل يقضي على أملهم ويمحو بنكاله الطموح من نفوس المسلمين.
تقدم قيصر بغيمة من الجنود والعتاد لمقابلة الجيش الإسلامي وجعفر ومن معه لا يعدون الثلاثة آلاف مقاتل، لا يهولهم كثرة جموع العدو وقلة عددهم، ولم يستفل عزيمتهم قلة السلاح وبُعد المسير وصعوبة العيش.
وقف بعضهم مترددًا أمام هذا العدد المهول من جند الروم، وكأن سؤالًا يجول بخاطرهم: كيف سنقاتلهم؟!
وما عتادنا؟! و..، إلخ.
وسط هذا الذهول؛ جاءت الصرخة من فم البطل للتقدم وخوض المعركة والاندفاع للمعمعة واقتحام جيش العدو تفريقًا وتفكيكًا يتقدمهم جعفر، السيف في يمينه والراية بيساره يرقل بها، تتفرق الكماة بين يديه وتنشق له الصفوف يضرب بسيفه يمنة ويسرى، لا يخشى الموت لرسوخ عقيدته وصلابة دينه.
التفتت له أعين جيش الروم، وكان مثيرًا لهم ببأسه وشدة حملاته، ولكونه حامل الراية ولا بد من القضاء عليه كي يفل بقتله عزيمة المسلمين ولا تبقى روحهم وقادة للقتال.
كان بطلنا جعفر راجلًا يحمل الراية، فجال جمعٌ من جيش الروم بفرسانه حول البطل يريدون استلال رايته التي كانت ترف بيمينه حتى تم قطعها وهم يطمعون أن تسقط من يده، لكنه تناولها بيسراه محافظًا على ثباتها حتى حانت للعدو فرصة ثانية قطع بها يده اليسرى ليسقط على الأرض ويستبدل بيديه المقطوعتين جناحين يطير بهما في الجنة.
سقط جعفر شهيدًا على أرض المعركة ودفن في أرضها ليبقى قبره للآن شاهدًا على البطولة والبأس والتضحية من جانب وليبقى أثرٌ هاشمي للمسلمين حتى بعد هزيمتهم على هذه الأرض يذكرهم بالتضحية التي قدمها وليبقى نداءٌ يتردد دائمًا: أن هناك بطلاً يُثبت لكم حقًا.
يقول ابن عمر: "وجدنا ما بين صدر جعفر ومنكبيه وما أقبل منه تسعين جراحة ما بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح".
أما في المدينة فهناك حدثٌ آخر، حين دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على أسماء بنت عميس الخثعمية هذه المرأة الصالحة والصابرة التي تقول: قال لي رسول الله: "ائتني ببني جعفر" فأتيته بهم، فشمهم ودمعت عيناه، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ فقال: "نعم أصيبوا هذا اليوم" فقمت أصيح وأجمع النساء، ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أهله، فقال: " لا تُغفلوا آل جعفر أن تصنعوا لهم طعامًا، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم ".
وأخرج ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أتاه نعي جعفر دخل على أمرأته أسماء بنت عميس، فعزاها فيه ودخلت فاطمة عليها السلام وهي تبكي وتقول: واعماه، فقال صلى الله عليه وآله: "على مثل جعفر فلتبكِ البواكي".
ولعمري إن بكاء النبي والسيدة الزهراء لم يكن لأجل القرابة فقط ونحن نلاحظ قوله: "لمثل" وما هذه المثلية إلا جملة من الفضائل تحلى بها جعفر لينضم لمن اصطافاهم الله عز وجل لدور رسالي وبيت يشيد كلمة التوحيد.
فسلامٌ مني عليك ما أبقاني الدهر
والحمد لله رب العالمين.



