السيرة والعمر!

القراء الكرام أيها يدوم أطول؟ عمر الإنسان أم ذكره وسيرته وهي الحالة التي يكون عليها في حياته وما يحكى أو يكتب عنه بعد موته؟ من المؤكد أننا نذكر أشخاصًا مدّة طويلة بعد موتهم، ما يعني أن سيرة الإنسان أطول من عمره. سنوات أو عشرات السنين ثم نرحل عن الحياة ويبقى ذكرنا من خلفنا:
أَماوِيُّ إِنَّ المالَ غادٍ وَرائحٌ
وَيَبقى مِنَ المالِ الأَحاديثُ وَالذِكرُ
في هذا العالم أناس عاشوا مدة قصيرة ثم رحلوا منذ مئات السنين ولا تزال ذكراهم تفوح مثل رائحة المسك كأنهم لم يموتوا. مسجد فلان، مدرسة فلان، مبرّة فلان، وقف فلان، ميتم فلان، مضيف فلان، آثار تدوم مئات السنين - وأكثر - بعد أن يرحل بانيها. ماذا عن العالم؟ العلماء هم أكثر الناس الذين تتمرد سيرتهم على الموت. يختفي ذكر غنيّ المال بعد موته سريعًا ويبقى ذكر العالم الفقير أمدًا طويلًا. علماء الدين والدنيا تبقى سيرتُهم خالدة بعد موتهم.
ليس على المرء أن يفعل المستحيل لكي يبقى ذكره طويلًا بعد موته. من كرم الله أن أعمالًا بسيطة تخلد سيرة الإنسان؛ عنه صلى الله عليه وآله: "سبعة أسباب يكتب للعبد ثوابها بعد وفاته؛ رجل غرس نخلًا، أو حفر بئرًا، أو أجرى نهرًا، أو بنى مسجدًا، أو كتب مصحفًا، أو ورّث علمًا، أو خلّف ولدًا صالحًا يستغفر له بعد وفاته".
هذه السطور من أجل شكر الطيبين الذين رحلوا وتركوا سيرةً عطرة وآثارًا حسنة بعدهم. كانوا أمثلة خير - دون ذكر أسماء - لمن بعدهم. كان عندهم الخيار أن يكونوا شياطين يذكرون بالشرّ واللؤم، لكنهم تمردوا على نفوسهم فبقيت أنوار أرواحهم ساطعة بعد غياب أجسادهم.
دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ
إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني
فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها
فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني
يأتي يومٌ على كل إنسان يصبح جثةً هامدة ويصير في كنف الله وجواره! الملائكة تسأل ماذا قدمتَ؟ والناس يسألون: ماذا تركَ؟ ما دام الإنسان في هذه الدنيا فإنه يستطيع أن يكتب سيرته الصالحة بنفسه. شواهد القبور عادةً يوضع عليها صورة واسم وتاريخ وفاة صاحب القبر. لكن تحت التراب مضامين متعددة من الناس، أعمارهم لا تحكي حجم سيرتهم. فيهم من يمكن اختصار سيرة حياته في جملةٍ واحدة ويومٍ واحد، وفيهم من سيرته تحتاج إلى عدة مجلدات ضخمة ومئات السنين. أجل، هناك من سيرته لا يحوشها الموت ولا يحوشها كتاب!
غاية المرام: وإنما المرء حديث بعده … فكن حديثًا حسنًا لمن وعى! منا من يولد ويموت في يومٍ واحد، ومنا من يعيش أبد الآبدين. من يبقى فهو إما في ذاكرة الخير أو ذاكرة الخير، وذاكرة الخير أولى من ذاكرة الشرّ.



