وداعاً .. ياكريم الأخلاق

من ذاكرة الطين و فيافي دروب الديرة و هجير الظهران ،
و بين صمت الكلام و كلام الصمت ، يرحل في صمت واحد من زمن الطيبين ، يرحل عنا الحاج حسن عيسى المصلي والد الشيخ مهدي، رحل بالأمس عن دنيانا الموحشة، رحل صاحب القسمات الوقورة و الشمائل العطوفة، الفائض أدبا وأخلاقا رفيعة ، إنسان تسكنه الرقة و الألفة و سعة البال لحد يفوق التصور، يخاطب الناس بقدر من الألفاظ الحسنة، و بأدب جم و بكلام موزون دون إطالة، عفيف اللسان بعيدا كل البعد عن الهذر، خافض النبرة ينطق بحذر و أحيانا تسمعه همسا، وكأنه ينطق صمت الحكماء ، ألفيته منذ الصغر لايرفع طرفه للعابرين لكنه يرد التحية بأحسن منها ، إن مشى فعيناه تبصر أقدامه لايروم بصره يمنة و لا يسرى ، وإن جلس لايطيل النظر فيمن حوله غاض البصر في سكون، لكنه يبصر الجمع بقلبه الرؤوم حيث الوصل من أصالة طبعه و عنوان صفاته ، عزيز بصلة أرحامه وأهله وناسه .
ياظهران الأمس حيث آباؤنا السائرون إلى لقمة العيش كان الحاج حسن وبعض من إخوانه يعاونون و الدهم في البيع والشراء للعمال الكادحين على سفوح الجبل ، دكان عيسى المصلي الشهير بسوق الظهران تعاظمت تجارته بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ، الأب المقدام كان نافذ البصيرة قبل الحرب الكونية العظمى ، حيث سفن البحر القادمة من زنجبار يشتري حمولتها دون عناء، وكم من الوجهاء استظلوا تحت ظلال نخيل بستانه الذي أنبته بعرق جبينه، على الشاطئ الشرقي لجزيرة تاروت جنوب سنابس ، أكرم ضيوفه من كروم العنب و عذوق الرطب ، فهو الزارع و التاجر و المغامر و العقل المدبر لأملاك تعاظمت وتقوضت بين مد وجزر ، الراحل الحاج حسن شاهد عيان على نجاحات و تقلبات وتحولات والده ، ذاكرته تختزن العز و عتمة الشقاء في ليالي الظهران بين صخب العمال الوافدين من سيوح الفيافي والقفار، و القادمين من بلاد العم سام ، والإيطاليون أسارى الحرب ، مدينة مستحدثة ب (اللينات ) والمعامل ورجال العيون الزرق، ورطانة اللهجات واللغات ، حيث البعد عن الأهل والخلان ، وفي ليلة ظلماء من سنة 63 ميلادية تفجع عائلة المصلي برحيل ابنهم (أحمد ) القادم من أمريكا و تسقط الطائرة التي تقله، على متن خطوط ( طيران الشرق الأوسط) ويلقى جميع الركاب مصرعهم في جوف بحر العزيزية بالقرب من مطار الظهران وكان عددهم 43 راكبا جميع الضحايا لقوا حتفهم وتم انتشال جثثهم من أعماق البحر إلا اثنين واحد أمريكي والثاني أبو جعفر المصلي ، يعم الحزن المنطقة الشرقية بأسرها ، يبكي الحاج حسن بكاء مر مع أبيه وإخوانه الأربعة، أخ يرحل في عز الشباب، عزيز أخذته يد المنون دون قبر .
بعد ثلاث سنوات من تلك الحادثة المأساوية يعم الكساد أسواق الظهران الشهيرة بسبب تغيرات المكان، وماتبقى من دكان العائلة يحط رحاله بجوار حمام تاروت و يدير شؤونه الحاج حسن ، لكن يتقلص حيز الدكان بعد رحيل الوالد سنة 69م، و يحافظ أبو مهدي على رواج بضاعته البسيطة وسط بيئة متواضعة، و ينشده الحال ثانية إلى ربوع الظهران عامل صيانة في جامعة البترول، لكنه ظل متمسكا بدكانه الصغير كذكرى من إرث عز قد مضى ، مستقطبا كبار السن بين جنباته، يتجاذبون أطراف الأيام الخوالي، يبددون اغترابات الزمن و وحشة الأيام ، يأنسون لبعض و يواسون أنفسهم المتعبة من كدر السنين لكن هادم اللذات يتربص بهم واحدا تلو الآخر ، ينغص ألفتهم و يتخطفهم تواليا عاما بعد عام ، تلاشى الجمع ، وظل الحاج حسن يندب الرفاق ، وازداد حزنا على حزن منذ خمس سنوات بعد أن فقد شريكة عمره أم الشيخ مهدي ، فأطبق الصمت صمتا على محياه فتراخت تعابير وجه في سكون ، لكن هذا المؤمن إيمانه مطلق بالأقدار المحتومة والأعمار المقسومة وبالتسليم طواعية فالأمر كله لله ، كانت سلوته كلما مر به خطب التواصي بالصبر والتأسي بمصائب أبي عبدالله، حيث كان يذوب عشقا لحضور المآتم ، ويتماهى مع كل خطيب وله مجلس أسبوعي باسمه ، وحينما يهل شهر محرم يرتدي السواد حزن من حداد ، ولباسه التقوى حياة من ورع ، عاشوراء هذا العام استفقدته فلم يأت مجلسنا الذي يعد من أقدم المآتم في جزيرة تاروت (مأتم بيت شلي) ، سألت عنه الإخوان أين أبو الشيخ مهدي ، أجابوني بأنه يرقد على السرير الأبيض منذ شهر ، بالأمس فاضت روحه إلى بارئها خاشعة مطمئنة ، رحمك الله ياحاج حسن رحمة واسعة ، البارحة شيعك نفر غفير من مختلف طبقات المجتمع يتقدمهم أصحاب الفضيلة المشايخ ،صلوا عليك ترحما (يابن عيسى المصلي ) فلقبك اسم على مسمى كنت مواظبا وحريصا كل الحرص على أداء صلاة الجماعة ولم يقعدك عنها إلا مرضتك الأخيرة ،وكم ألفيناك منذ الصغر تفتش عن المساجد النائية بين أحراش النخيل تقيم الصلاة فيها إحياء لبيوت الله ، نم قرير العين ياحاج حسن فقد أنجبت أولادا بررة وعلى رأسهم إنسان جليل ، إنه سماحة الشيخ مهدي المصلي ذو المنزلة العظيمة أستاذ الحوزة ، ونعم العالم الفقيه سيماء وجه من كرم وجهك الوضاء حسنا ودماثة خلق ، غفر الله لنا ولك وسائر المؤمنين والمؤمنات ولآبائك وأجدادك أجمعين .
رحمك الله ياحاج حسن ياصاحب الخلق الكريم . من مثلك لا يرحلون يقيمون فخرا في الذاكرة ..
4/ صفر / 1439



