المجالس مدارس!

منذ أن تكاثر أبناء آدم فوق الأرض أصبحت الأحاديث متنفسًا لهم؛ يتبادلون الآراء فيما بينهم ويروحون عن أنفسهم. مجالس كثيرة في فترات من الزمن -رأيناها- مفتوحة لأبناء الحارة والجيران، يلتقي فيها الأدباء والعلماء والواجهات الاجتماعية وعامة الناس. ولا أحد ينكر أن المجالس على مر التاريخ كان فيها الزين والشين والنافع والضار، ويجلس فيها الصالح والطالح!
أما أرقى المجالس فهي التي ترى فيها هذا يسأل سؤالًا نافعًا وتسمع ذاك يتحدث حديثًا جميلًا. لا يقطع المسائل والأحاديث إلا أصوات فناجين القهوة والشاي أو الطرفة والنكتة الخفيفة. مجالس يجلس فيها الصغير بصمت ويتكلم فيها الكبير بحكمة ومعرفة. إذا جاء الكبير قام له الصغير، وإذا لم يكن من مكانٍ للقادم أفسح له الجلّاس ودعوه للجلوس قريبًا منهم، وإذا غاب أحدهم سألوا عنه.
أين ذلك من مجالس اليوم - ليس كلها بالطبع؟ التي فيها بشر يجلسون جنبًا إلى جنب يقلبون صفحات الهاتف "الذكي" ويتحدثون مع أناس من خارج المجلس، وإن دار حديثٌ بينَهم فهو مختصر! الكلام عن فلان وفلانة وما خفّ وزنه من الأحاديث!
المجالس لها آداب، ولمن يريد الجلوس في صدر المجالس يقدّم الإمام علي -عليه السلام- نصيحة: "لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل، وينطق إذا عجز القوم عن الكلام، ويشير بالرأي الذي فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه شيء منهن فجلس فهو أحمق"، وأيضًا: "لا تسرعن إلى أرفع موضع في المجلس، فإن الموضع الذي تُرفع إليه خير من الموضع الذي تحط عنه".
روي أن لقمان قال لابنه: "يا بني، اختر المجالس على عينك، فإن رأيت قومًا يذكرون الله -جلّ وعزّ- فاجلس معهم، فإن تكن عالمًا نفعكَ علمك وإن تكن جاهلًا علموك، ولعلّ الله أن يظلهم برحمتهِ فيعمكَ معهم، وإذا رأيت قومًا لا يذكرون الله فلا تجلس معهم، فإن تكن عالمًا لم ينفعك علمك، وإن كنت جاهلًا يزيدوك جهلًا، ولعل الله أن يظلهم بعقوبة فيعمكَ معهم".
غاية المرام: لا يستغني الإنسان، وخصوصًا الشباب، أن ينوع المجالس،؛ يتعرف على أصدقاء ويستفيد خبرات ومعارف ويرفه عن نفسه. على ذلك فليحرص العاقل على قصد المجالس الجادّة في الدين والدنيا. وكما أن المجلس لا يطيب ولا يحلو إلا بالجليس الذي اشتق اسمه من الجلوس فلازمه أن نختار الجليس الراقي والمفيد في الدنيا والآخرة وليس المفلس من المعارف. جليس مثل صاحب المسك لا يعدمك إما تشتري منه المسكَ أو تجد ريحه في لباسك!



