أرقى أنماط الوفاء والإحسان.. التبرع بأعضاء!

بين حينٍ وآخر نسمع أو نقرأ أن أبنًا تبرع أو ابنة تبرعت بعضوٍ مهم -كُلية أو كبد وغيرها- لأب أو أمّ أو أخت أو أخ أو زوج أو أحد الأرحام. أو ربما غريبٌ تبرع لشخصٍ غير معروف البتة وأراد أن يخفف من آلامه ومعاناته. هذه الأخبار والمشاهدات تؤكد أن في الناس خيرًا وفيهم من هو أكرم من كريم المال! كريم بعضو ينقذ به حياة آخر. عضو يهب به مريضًا مشرفًا على الموت يكون فيه الفرج ويعيش لعشرات السنين في راحة وسعادة؟! الحمد لله الذي جعل بين الناس رحماء.
أفلا يعد إنقاذ أي إنسان من الموت بمنزلة إنقاذ الإنسانية كلها من الفناء، حيث تقول الآية الكريمة: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}؟ إنسان يقوم بدافع حب الإنسان والإنسانية وينقذ إنسانًا آخر تطوف به أشباحُ الموت، يكون مستعدًّا للقيام بعملية الإنقاذ الإنسانية كلها لو استطاع. آخر يقوم بإحياء عقلٍ وفكر إنسان ويخرجه من الضلال إلى الهدى فيه إحياء أيضًا!
وقفة شكر: لكل الذين يؤثرون غيرهم بأعضائهم ويجعلونهم في راحة من المرض ألف تحية شكر وتقدير وخالص الدعاء بأن يمتعهم الله بصحتهم ما بقوا في الدنيا ويجزل لهم العطاء في الآخرة. يستحقون أرقى الأوسمة لأنهم يخلِّصون غيرهم من الآلام والأوجاع.
الشكر أيضًا لمن يحيي فكرًا وعقلًا ميتًا. وإذا كنا نقول أن إحياء النفس يشمل الهداية ألا يكون النبي محمد صلى الله عليه وآله أكبر منقذ للبشرية ومحيي نفوسها من الشرك والضلال؟ يصفه الإمام علي عليه السلام: "طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ وَأَحْمَى مَوَاسِمَهُ يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ وَآذَانٍ صُمٍّ وَأَلْسِنَةٍ بُكْمٍ مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ".
لكم أن تتخيلوا -القراء الكرام- حال إنسانٍ يقضي وقته بين المشفَى والمنزل لا ليله ليل ولا نهاره نهار، لا يأمل الشفاء، ليس له من أفراح الحياة شيء ثم يحصل على واهب فإذا هو بعد الانتظار والتعب يتنقل ويعمل ويعيش حياةً أقرب إلى طبيعية بكل تفاصيلها الجميلة والسارّة! أليس ذلك أعظم وفاء وإحسان لأبٍ أو أمّ أو قريب أو غريب؟ أليس وفاءً للإنسانية كلها؟
مشكورٌ من يهب أخاه المالَ والأكل ومشكور جدًّا من يهب بعض أعضائه لأخيه ويهدي له حياةً جديدة!



