الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

لا تحتفظ بملفات الخلافات القديمة!

هلال الوحيد · القطيف اليومالجمعة 9 فبراير 2024، 9:33 م
لا تحتفظ بملفات الخلافات القديمة!

القارئ الكريم والقارئة الكريمة: على فرض أنك رغبت في شراء هاتف ذكيّ غالي الثمن وفيه ميزات راقية، لكن قال لك البائع: هذا الجهاز فيه ذاكرة كبيرة والمسح -Delete- غير ممكن، هل تشتريه؟ أنا لن أشتريه! هذه الميزة الجميلة هي النسيان عند الإنسان أو التناسي!

بعض الناس لديهم ذاكرة قوية جدًّا! يتذكرون حوادث بسيطة ليس فيها هتك عرض ولا سفك دم، ثمّ متى ما استجدّ ما يستدعي التذكير والتشهير أخرجوها من مِلف الذاكرة! هل تذكر عام كذا؟ مكان كذا؟ وما فعلت؟ إذا أنتَ نسيت نحن لم ننسَ! أزواج وزوجات، آباء وأبناء، أصدقاء وزملاء في العمل، جيران، نخطئ ويخطئون، فهل نَحتفظ بسجلات الخلاف للاستخدام عند الحاجة؟ أحيانًا تبقى الخلافات وتستقوي بعد الموت!

اثنان يضرهمَا ما يحملان في صدريهما؛ الحاقد والحاسد. ولكي تتضح أضرار الحقد دعونا نذكّر قليلًا ببعض ما قال الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- في الحقد من كلمات قصار: ألام الخلق الحقد، الحقد يذري، الحقد مثار الغضب، الحقد شيمة الحسدة، الحقد داء دوي، ومرض موبي، الحقد من طبائع الأشرار.

الحقد نار يحرق من يحمله ويضره قبل غيره. هل رأيت حاقدًا مرتاحًا؟ دائمًا متوتر الأعصاب ويبحث عن طريقة غبية ينفس بها عن حقده. ما الوصفة الوحيدة للحقد؟ الدنيا قصيرة، دين الله الحب فسامح ولا تعاتب كثيرًا:
وَلا أَحمِلُ الحِقدَ القَديمَ عَلَيهِم
وَلَيسَ كَريمُ القَومِ مَن يَحمِلُ الحِقدا

دراسات علمية كثيرة تستنتج أن الحقد والضغينة يؤدي الاحتفاظ بها إلى الإضرار بالصحة العاطفية والجسدية. لا شك أن التسامح قد لا يبدو صحيحًا في جميع المواقف! مع ذلك، فإن بعض الأبحاث تُعرّف التسامح بأنه حالة ذهنية تعني الاعتراف بالأخوة في الإنسانية مع شخصٍ آخر، حتى لو أخطأ في حقي.

{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}! من أجمل ما مدح الله -جل في علاه- كظم الغيظ ثم العفو والصفح عمن يستحقون العفو، لا عن الذين يزيدهم العفو جرأةً على الإجرام والاعتداء!

غاية المرام: لو احتفظنا بمِلف لكل قضية واختلاف لملأنا عدة رفوف! لذلك جعل الله فينا ميزة تشبه ما في الأجهزة الحديثة من قدرة على المسح ـDelete- وإن بدرجات متفاوتة. هذه القدرة تكون عندنا فعالة في سنوات الشقاوة والطفولة. في الليل نتخاصم، فيعلو الصراخ ونتعاهد ألا نتصافى وفي الصباح ننسى وفي المساء نلعب معًا وتتعالى الضحكات! لماذا يموت الطفل فينا وأدًا وندفنه حيًّا بعد ما تكبر أجسامنا وتكبر عقولنا، نخاصم ولا نسامح؟ هذا هو الإنسان يجمع من المتناقضات ما يعجز عن فهمه أكابر الفلاسفة!