إثمانِ تمنيتُ أن لو لم أفعلهمَا أبدا!

زخات من المطر ليل أمس أيقظت الدنيا على طقسٍ مشمس، فائق الجمال. ليت حال الطقس يدوم لكن دوام الحال محال.
ذنبان تمنيت أن لو تركتهما في حياتي. لكنني إنسان قليل العظة، أرى غيري ولا أتّعظ. ليتني لم أفرّط في صحتي أيام شبابي وليتني أتوب إلى الله من ذنوبي قبل مماتي. يمحو الله الذنب لكن ترك المعاصي أجمل وأضمن، ويعيد الله الصحةَ والعافية لكن الحفاظ عليها أفضل.
اغتررتُ بصحتي وقوتي أيام شبابي حتى ظننتُ أنها لن تذهب أبدًا مع أني رأيت من سبقوني من الذين فرطوا في صحتهم، كيف انتهت بهم الأحوال. رأيتهم في صحتهم كما الأحصنة البرية القوية، تسابق الريح. ثم رأيتهم طريحي الفراش، لا يستطيعون طرد ذبابة عن وجوههم. لا ضمان أن تبقى الصحة لأن المقادير ومشيئة الله فوق كل اعتبار، مع ذلك نحن مطالبون بالاستثمار الجيد وأي استثمار؟!
استثمار سوق الأسهم؟ لا! ربح اليانصيب؟ لا! جمع المليارات؟ لا! إذًا ما هو أعظم استثمار؟ أفضل استثمار هو أن أستثمر في العناية بنفسي فما قيمة المال وأنا حبيس الفراش؟ ما قيمة العمائر والأبراج وأنا أنام في سرير؛ غذاء مقنّن وحقن طبّية أصيح يا من يعينني؟ يا من يخدمني؟ عصب المتعة بالحياة وجودتها في الصحة والبعد عن الأسقام!
سيدتي وسيدي، إذا أردتَ أن تعرف قيمة الصحة الجيدة وتشعر بجودة الحياة اجلس قرب فراش مريض! اسأله ما الفرق بين الصحة والمرض؟ كم يعطي من ماله لتعود صحته ويعود نشاطه إليه؟ "خمسُ خصال من فقد واحدةً منهن لم يزل ناقصَ العيش، زائل العقل، مشغول القلب: فأولها صحة البدن، والثانية الأمن، والثالثة السعة في الرزق، والرابعة الأنيس الموافق - قلت: وما الأَنيس الموافق؟ قال الزوجة الصالحة، والولد الصالح، والخليط الصالح - والخامسة وهي تجمع هذه الخصال: الدعة".
أما الذنوب والمعاصي فإن تركها أهون من التوبة - عن الإمام علي عليه السلام: "ترك الذنب أهون من طلب التوبة". لبستَ ثوبًا أبيض ثم اتسخ الثوبُ فغسلته وعاد أبيض، فهل يا ترى البياض المتأخر هو البياض المتقدم؟ أم هو أقل درجة منه؟
تصل عمر ستين سنة وترى الأقرباء والأصدقاء لم يتعظوا منك ونقول: لم لا نتعلم من أخطاء وسقطات غيرنا؟ أظن أن هذه هي طبيعة البشر في مثل هذه الأشياء، لذلك نرى كثرة الرسل والأنبياء المبشرين والمنذرين والناصحين وقلة المتعظين والتابعين بإخلاص! بعض الأمور لا نصدقها إلا حين نجربها عمليًا لكن حينئذٍ لات حين مندم!
تذهب الصحة ونحنّ إليها، تذهب العافية ونتمناها وعندما كنا نملكها لم نحترمها. ما أصح حديث رسول الله صلى الله عليه وآله: "أحسنوا مجاورة النعم، لا تملوهَا ولا تنفروها، فإنّها قلما نفرت من قومٍ فعادت إليهم".



