عيد دون بيان!

يأتي هذا العيد دون بيان، ابنة أخينا هاني، ذات الستة والعشرين ربيعًا. غصن بان انثنى في طرفة عين. لله الأمر من قبل ومن بعد وله الشكر والحمد على ما أعطى وما أخذ. يحزنني أن أعزّي أمها وأباها وطفليها وزوجها وأخويهَا وأخواتها وكل من أحبّها وعرفها. هكذا هي الدنيا بين قادم ومرتحل وشروق وغروب.
شبر واحد -أو أقل- من الزمن هي المسافة بين أن تترقب العيد وترى من تحب؛ تجلس على مائدة، تأكل وتشرب وتتحَادث وتقول له: مرحبًا، عيدكم مبارك وكل عام وأنتم بخير وأن ينعقد لسانك وأنت تحاول أن تقول كلمات مثل: اصبر، هذه هي الدنيا كلها ابتلاء، عظم الله أجرك! شبر واحد بين أن ترى صبيّة يوم العيد ترتدي أجمل ثيابها البيض وزينتها وأن تراها ممدودة على مصطبةٍ رفيعة -مغتسل- تحركها وتقلبها وتغسلها أياد، ثمّ تلبسها قطعةَ قماش رخيصة، وتضع تحت خدها قليلًا من التراب!
كعادته قدر الموت يمشي مبصرًا أعمى؛ يعرف من ينتقي ومن يأخذ، دون تسلسل وتراتب، فترى شابًا أو شابة ترحل في ريعان عمرها فجأة. ولأننا بعيدون جدًّا عن فهم الكون وما يجري فيه ولا نفهم مقاصد الله سبحانه من الموت والحياة سوى ما يخبرنا سبحانه أنه هو :{ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}، يداخلنَا شعور بالحزن والبكاء.
سرّ خفي حين يكتب الله لطفل أن يعيش يتيمًا دون أم! فليبارك الله إذن حياة طفليها، وليجعل ما يأتي من السنوات أكثر قوة وصلابة وبهجة وعيونًا مكحولة بأنواع المسرات. وأن يرتقي بروحها إلى جناته تخلد فيها بين ما تشتهي من راحةٍ وطعام وحبور. ذلك حتمًا أخير لها من دنيا فانية، تنتهي إما الساعة -الآن- أو التي بعدها.
عن الإمام الصادق عليه السلام: لما مات إبراهيم هملت عينَا رسول الله صلى الله عليه وآله بالدموع، ثم قال صلى الله عليه وآله: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون.
كل الغفلة في نسيان الموت. كل الغفلة في الاحتراب على دنيا نهايتها محمول على خشبة إلى حفرة مظلمة عمقها متران وعرضها متر واحد! يا رب "ارحمني مطروحًا على المغتسل يغسلني صالح جيرتي، وارحمني محمولًا قد تناول الأقرباءُ أطراف جنازتي، وارحم في ذلك البيت المظلم وحشتي وغربتي ووحدتي".



