همسة موسوية.. يوسف ونينيفر كيتا

إن تعامُل النبي يوسف عليه السلام بأخلاق الأنبياء، ورقي أسلوبه وصبره وشفافيته وصدقه ومعجزاته الغيبية حوّلت مساجين زاويرا من مجرمين إلى رجال صالحين؛ أبدلوا دينهم من عبادة آمون إلى رب يوسف الواحد الأحد في خطوة تعتبر الأصعب - عادة - في تاريخ البشرية؛ فتحوّلت حياتهم ورؤاهم - تباعاً - من الظلام الدامس إلى النور السماوي. قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
غير أن واحدًا منهم فقط (نينيفر كيتا) لم تجدِ معه كل محاولات نبي الله يوسف وأخلاقه ومعجزاته؛ وظل في ظلامه وكفره وضلاله داخل السجن وخارجه حتى مات وهو عازم على قتل يوسف عليه السلام.
في اعتقادي أن هذا المستوى من العصيان والجحود والضلال يكون نتيجة الأسباب التالية مجتمعة أو منفردة:
1- إن الحرام التكويني سواءً كان بالأصالة أو الاكتساب سرى في جسده فحال دون توفيقه كما كان مع قتلة الإمام الحسين عليه السلام حين وعظهم فلا يتعظون فخاطبهم "لقد مُلأَتْ بطونكم من الحرام".
2- هناك ذنوب وكبائر يدمن عليها بعض الفسّاق تبني سدودًا منيعة بينهم وبين الله فتحجبهم عن التوبة لأنهم ليسوا أهلًا لها؛ ولذلك يحرمون من التوفيق للوفادة على رحاب رب العالمين. إن إدمان المعصية وتصغير الكبيرة بحيث تصبح سلوكًا طبيعيًا معتادًا هو خسران مبين (ذلك هو الخسران المبين).
3- إن بعض المجرمين قلوبهم مريضة وضمائرهم ميتة. انعدمت عندهم الإنسانية والأخلاق وانقلبت لديهم منظومة القيم فأصبحوا يرون الظلماتِ نورًا (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
4- هناك شريحة من الناس يخضعون في تفكيرهم لإبليس (الوسواس الخنّاس) والنفس الأمارة بالسوء - فقط وفقط - تاركين سنن الله بعيدًا بعيدًا؛ فيحلّلون حرام الله ويحرمون حلاله؛ فيكذبون ويفتنون وينمّون ويسرقون ويقتلون ويجورون ويعتدون ويظلمون بدم بارد؛ والنتيجة (نسوا الله فنسيَهم).
5- استغلال الكهنة (رجال الدين) -آنذاك- نفوذهم وثقة الناس بهم وسيطرتهم على مشاعرهم وأحاسيسهم وميولهم. إن تعظيم الكهنة لمقاماتهم تحت مظلة العلاقة بالله وتعديل سلوك الناس والارتقاء به جعلهم خارج دائرة النقص والنقد؛ وبالتالي فكلامهم نور وسجيتهم التقوى ويجب طاعتهم وامتثال أوامرهم؛ كما أن الراد عليهم كالراد على الله تعالى، وعليه؛ استغل الكهنة هذا المقام وسعوا جاهدين لاستغلال بساطة الناس وميول بعضهم للجريمة بشتى الوسائل كما فعلوا مع نينيڤر كيتا.
والإجرام الذي يخرج من عباءة الدين المزيفة يكون أشد ضررًا وأوقع خطرًا من أي إجرام آخر؛ لأنه يستظل - كذبًا - بكلمات الله وتشريعاته، وتعالى الله عز وجل عما يقولون علوًّا كبيرًا.



