وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا.. الطلاق بين الدين والواقع الاجتماعي!

هل يلفت نظركم -القراء الكرام- كلمات في القرآن الكريم تأمر بحسن العلاقات الزوجية والتلطف في المعاشرة؟ أما إذا وصل الأمر إلى حد الطلاق فلا بد أن يكون البعد والطلاق مقترنًا بالمحبة والاحترام، خاليًا من الخشونة والظلم والعداوة. لاحظتم جمال اللفظ والمعنى في جملة {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}؟
إذن، كيف تنتهي حالات الطلاق عندنا؟ بمحبة أم عداوة؟ من مشاهدات شخصيّة بعض الحالات ينتهي برمي أغراض الزوجة في الشارع وبعض النساء لو استطاعت خنقَ الرجل لخنقته وبعضهن يقمن حفلات طلاق! أما إذا كان لدى القراء الكرام إحصاءات عن حالات إيجابية أكثر من حالات سلبية فذلك يقتضي أن أعتذر لهم!
أغلب حالات الانفصال والطلاق عندنا -وفي مجتمعات أخرى كذلك- ليست قائمة على المعايير القرآنية ولا الإنسانية. إنما قائمة على معيار كم أستطيع أن أوذي الطرف الآخر؟ كم أستطيع أن أسلبَ منه؟ كيف أبتزّه؟ هل في الأولاد أم في المال؟ أم في المحاكم؟
اللغة الواضحة السلسة في الآية التالية لا تترك مجالًا للشك في الدعوة لحسن الانفصال: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍۢ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}. الآية الكريمة تعني النساء المطلقات قبل الدخول بهن فلا تلزم العدة، وهي أيضًا تقول: فمتعوهن أي قدموا لهن هديةً مناسبة، حسب الاستطاعة، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره وفارقوهن مفارقة جميلة. هذا المعنى -السراح الجميل- تكرر أيضًا في عموم حالات الطلاق!
{ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ شَيۡـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَا فِيمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ}! ألا تشير جملة "تسريح بإحسان" بعد جملة الطلاق مرتان إلى أن الطلاق الثالث لا بدّ أن يراعي موازين الحقّ والإنصاف والقيم الأخلاقيّة؟
غاية المرام: عند الخصومات تظهر حقيقة الأخلاق والله سبحانه يرغب أن تكون الأخلاق غير مزيفة إنما أخلاق حقيقية. شخص اخترتُه للزواج والمحبة ثم ماتَ الحبّ بيننا، تعارفنا وتحاببنا ثم اختلفنا وتفارقنا، فلا تموت الأخلاق ولا تُداس الواجبات بالأقدام! {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}، خطاب لنا من الله سبحانه وتعالى أن لا ننسى العفو والصفح والقيم الإنسانية في أصعب الحالات النفسيّة والمادية!



