أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

شهر رمضان يزوِّدنا بالتقوى والأمان

محمد الأحسائي · القطيف اليومالثلاثاء 9 أبريل 2024، 12:52 ص
شهر رمضان يزوِّدنا بالتقوى والأمان

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى).

استقبلنا شهر رمضان الكريم بكل ترحاب، ووفَّقنا الله وإياكم فيه للصيام والقيام وتضرَّعنا فيه بالتهجد والدعاء، وتلَونا القرآن الكريم ورتلناه ترتيلًا، وأحيينا المساجد ليل نهار، فصارت عامرة تزدحم فيها الصفوف عند كل فريضة، وتعالت فيها الأصوات بالتكبير والتهليل والصلاة على محمد وآل محمد.

وحَظِيَ الجميعُ بليلة القدر وأحيَوها في المساجد والبيوت وأماكن العمل حتى المغتربين أعطوا تلك الليلة قدسيَّتها وأحيَوها بقلوب مُفعمة بالإيمان وأَلسِنة ضارعة بالتهجد والدعاء معترفين بتقصيرهم ومستغفرين لذنوبهم ذاكرين حاجاتهم طالبين من الله سبحانه وتعالى أن يستجيب لهم ويلطف بهم ويشافي مرضاهم ويغني فقراءهم ويقضي حاجة كل محتاج إنه سميع مجيب.

(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) وها نحن نودع شهر رمضان الكريم ونستعد فيه للعيد وما بعد العيد، نستعد فيه باللبس الجديد ومعايدة الأهل والأحباب وأكل ما لذ وطاب وذلك يوم فرح وسرور من حق الجميع أن يبتهجوا فيه بأطيب المأكولات ويتجولوا في الشواطئ والمتنزهات والسفر داخل البلاد وخارجها.

وبعدما ينتهي العيد ويعود الناس لمدارسهم وأعمالهم كيف ستكون النفسيات والمعاملات والعبادات؟ بمعنى آخر ما هي مكتسباتنا من شهر رمضان الكريم؟

لو عاد البعضُ إلى شريط حياته قبل شهر رمضان سيجد أنه لا يبالي في حياته وعبادته وعمله. فلا يبالي بالصلاة يعني ساهيًا عنها (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ).

باختصار الكثير ينسى نفسه وينشغل بأمور الدنيا ويهتم بمصلحتة ولا يراعي لأحد حقًا ولا يحترم صغيرًا ولا كبيرًا ولا يبالي بالحلال والحرام.

ويشتم هذا ويسب ذاك، والقوي يضرب الضعيف والغني يأكل مال الفقير، قد يفقد عزيزًا فيحزن ويتأثر، قد يمر بضائقة فيندم على ما اقترفت يداه.

قد يصاب بمرض فيتمنى الشفاء ليصحِّح ما أخطأ، وما هي إلا أيام ويعود لما كان عليه.

وهذا هو طبع الناس المبتلين بحب الدنيا وكل الناس يحبون الدنيا لكن هناك فئة أَسَرتهم الدنيا وصيَّرتهم أُلعوبة بها. قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)، الإنسان بطبعه ميال إلى ملذات الدنيا وشهواتها وتغلب عليه الغفلة والتسويف، معتقدًا أنه سيتوب قبل مماته لكنه لا يأمن القدر ولا يدري ما حاله وصحته ولا يدري هل سيجد كل شخص ظلمه فيعتذر منه. أو كل من سلبه حقًا فيرد له حقه. أو كل من آذاه فيعتذر منه. أو كل رحم قطعه فيصله. أو كل صديق أهانَه فيردَّ له اعتبارَه. أو كلَّ جار أساء إليه فيُحسِن اليه.

ها نحن نودع شهر الله ويُفترض أننا تزوَّدنا منه بما فيه الكفاية وامتلأت قلوبنا بالتقوى، وعُمِّرَت بذكر الله وطاعته وصارت نفوسنا إلى الحق أقرَب وإلى الحلال أصوَب، وإلى المسامحة أولَى، وإلى الصلاة أدوَم، وإلى المساجد أعمَق، وإلى القرآن أٌقرَأ.

وفي الأخير نستخلص بعضًا من مكتسبات الشهر الفضيل:
أولًا/ دوام الاتصال بالله والدعاء في السراء والضراء. (وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)، لا تتقربوا إلى الله وقت حاجتكم وتدعون وتتوسلون فإذا قُضِيَت تركتم العبادة والدعاء وخضتم كالذي خاضوا، قال تعالى: (كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).

ثانيًا/ الاهتمام بالصلاة وإعطائها حقها والمداومة على صلاة الجماعة في المساجد قدر الإمكان ولا ننقطع عنها انقطاعًا كليًا فنهجر المساجد وكأننا نعيش في واد والمساجد في واد.

ثالثًا/ المداومة على قراءة القرآن الكريم ولو جزء بسيط ولا يصح هجرانه واعتباره لاُ يقرأ إلا على الأموات، بل هو كلام الله للأحياء ليتعظوا ويهتدوا ويعبدوا لله بتلاوته واستماعه.

(أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) [الإسراء].

رابعًا/ التحلي بالأخلاق الحميدة والعادات الحسنة
يجب أن نحترم الجميع ونعاملهم بلطف وهدوء ولا نعاملهم بعنف وقسوة كأنهم أعداء حتى لو كانوا غرباء فما بالك بالوالدين والأهل والأقرباء والجيران؟ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ).

خامسًا/ التصدق والعفو والمسامحه:
الصدقة للفقراء والمحتاجين والإنفاق في سبيل الله لما لها من أثر كبير على المجتمع والله يعوض المتصدقين بالأضعاف، ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّـهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

سادسًا/ الثبات والحذر من أصدقاء السوء:
بعد شهر رمضان تُصبح كفّة الإيمان أقوى والعقل أرجح فلا يتأثر بأصحاب الهوى ولا بالأفكار السامَّة لكن لابد من الحذر والابتعاد عن كل ما يشوِّه الفكرَ والعقيدةَ لأن المؤمن لا يأمن على نفسه من مكر وخداع هؤلاء فالطريق طويل والمواجهات كثيرة والعقبات قد تتكالب لزعزعة المؤمنين وزلزلة إيمانهم الصلب.

(ولَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) صدق الله العلي العظيم، وصدق رسوله النبي الكريم، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.