الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

إِنَّ الغَريِبَ لَهُ حَقٌّ لِغُرْبَتهِ!

هلال الوحيد · القطيف اليومالأحد 28 أبريل 2024، 5:32 م
إِنَّ الغَريِبَ لَهُ حَقٌّ لِغُرْبَتهِ!

القراء الكرام: هل تلاحظون أن بعض العمال الأجانب يعملون عندنا عشرات السنين؟ بعضهم يقضي عمره كله عندنا! أعتقد أن العامل لو لم يشعر بالاحترام والتقدير والمحبة عندنا لما بقي هذه المدة الطويلة. لا أعتقد أن حاجة الإنسان للعمل وحدها تجعله يقيم في بلد واحد عشرات السنين!

بائع أشتري منه سافر في إجازة ولما سألته: كم المدة التي بقيت فيها في وطنك؟ قال تسعة أشهر. قلت له: إذن، ربما جيء لك بمولود؟! قال: كيف وأنا لم أتزوج بعد؟ عمري خمس وأربعون سنة ولم أتزوج ولا أظنّ أنني سوف أتزوج! مع أني أفضل حظًّا من ملايين الناس لأنني حصلت على فرصة عمل، لكن الحياة ليست سهلة عندما تكون مغتربًا بعيدًا عن أهلك!

علينا أن نشكر الله أن أعطانا الاختيار أن نعيش بين أهلنا وأصدقائنا في أوطاننا. أرزاقنا قريبة ومطلبها سهل يسير. الغربة قد تكون فرصة لعيش كريم وإنجازات لكنها وحشة وبعد عن وطن ومشقة نفس. لذلك لهذا الغريب حق علينا ألا يشعر بالغربة، يُحترم ويُشكر على تضحيته. كذلك الغريب يحترم الدولة التي يتغرب فيها. يحترم قوانينها وأنظمتها ويعطيها كما تعطيه. احترام ثقافة وقوانين البلد الذي يغترب فيه الإنسان من أبجديات قواعد الآداب والسلوك.

الوطن لا يمكن إخراجه من القلب بعملية اغتراب! من يخرج من وطنه لا يخرج وطنه منه، لا ينسى أرضًا مشى أول خطواته فوقها وشمّ هواءها وعرف أناسها. الوطن فيه الأحبة، نخلق من طينه ونعود حفنة في ترابه. يسافر الناس شرقًا وغربًا ويغيرون أماكن إقامتهم لكن لا ينسون وطنهم الأمّ:
نَقِّل فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِنَ الهَوى ** ما الحُبُّ إِلّا لِلحَبيبِ الأَوَّلِ
كَم مَنزِلٍ في الأَرضِ يَألَفُهُ الفَتى ** وَحَنينُهُ أَبَداً لِأَوَّلِ مَنزِلِ

وجدت كلامًا للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام يدل على أصالة حب الأوطان: "عمرت البلدان بحب الأوطان"، "من كرم المرء بكاؤه على ما مضى من زمانه، وحنينه إلى أوطانه، وحفظه قديمَ إخوانه". وصف الأموات فقال في وصفهم: "لا يستأنسون بالأوطان، ولا يتواصلون تواصل الجيران، على ما بينهم من قرب الجوار، ودنوّ الدّار".

قال الناسُ ويقولون في الغربة وهم مُصيبون. أما أعظم غربة فهي غربة ليست فوق الأرض إنما تحتها. غربة لا عودة منها:
ليْسَ الغَريبُ غَريبَ الشَّامِ واليمنِ ** إِنَّ الغَريبَ غَريبُ اللَّحدِ والكَفَنِ
إِنَّ الغَريِبَ لَهُ حَقٌّ لِغُرْبَتهِ ** على الْمُقيمينَ في الأَوطانِ والسَّكَنِ
لا تَنْهَرَنَّ غَريبًا حَالَ غُربتهِ ** الدَّهْرُ يَنْهَرَهُ بالذُّلِ والمِحَنِ
سَفْرِي بَعيدٌ وَزادي لَنْ يُبَلِّغَني ** وَقُوَتي ضَعُفَتْ والموتُ يَطلُبُني
وَلي بَقايا ذُنوبٍ لَسْتُ أَعْلَمُها ** الله يَعْلَمُها في السِّرِ والعَلَنِ
ما أَحْلَمَ اللهَ عَني حَيْثُ أَمْهَلَني ** وقَدْ تَمادَيْتُ في ذَنْبي ويَسْتُرُنِي