من طرائف صحبة أخي في زمن الطفولة.. الحمارة في طين سنابس!

يسأل بعض القراء: ما فائدة الذكريات والحكايات القديمة؟! كلّ حكاية فيها تذكير بزمنٍ مضى، كيف عاش فيه الناس وعانوا من صعوبة العيش. هل يستطيع طفل اليوم أن يقوم بمثل العمل الذي اشتغل به طفلُ الأمس؟ أشكّ كثيرًا! العيب ليس فيه، إنما لكلّ زمانٍ دولة ورجال.
كتب قيمة كثيرة كتبت والغرض منها تدوين مشاهد شخصية يعرض فيها الكاتب سيرته ومشاهداته في الحياة فتكون سفرًا ثمينًا يدون لحياة مجتمع في حقبة زمنية تغيرت بعدها طرائق العيش. يكفي أن يقرأها أحد الناس فيبتهج ويقول: رحمه الله ورحم زمانًا عاش فيه! كتب وروايات تملأ رفوف المكتبات ولها قراء! أريد أن أرشد القراء الكرام إلى كتابٍ بديع في صنفه من تأليف المرحوم الشيخ العلامة فرج العمران القطيفي -لا يقاس بهذه الكتابات- تحدث فيه الشيخ عن سيرته الذاتية وآثاره وذكرياته في الأماكن ومع الناس.
كانت السيارة لا تتوفر بسهولة وأسهل وسيلة لذهابنا آنذاك إلى سنابس، في الساحل الشرقي من جزيرة تاروت، إما بواسطة الحمارة -أكرمكم الله- أو بواسطة الدراجة النارية، وعلى القراء الكرام أن يفتحوا نوافذ خيالهم لما قد ينتج عن ذلك من طرائف وحوادث! لم نجد وسيلة ذلك اليوم للذهاب سوى الحمارة التي من مسؤولياتها الخدمة في الحقل والبحر ونقلنا إلى أماكن أخرى. شددت العدة واستراح كلانا فوق المستراح. كان المسير طيبًا حتى وصلنا أطراف السنابس من جهة المقبرة. هذه البقعة موحلة في ذلك الزمان، خالية من السكان. حالما توسطنا المنطقة الطينية غاصت قوادم الحمارة في الوحل ثم غاصت كلها في الطين. وقعت الحمارة ووقعنا معها في الطين.
لم يعجب الموقف المرحوم أخي لأنه ملتزم بالوقت. سرّيتُ عنه ببعض الأعذار وبقيت المشكلة كيف أخرج الحمارة من الطين وكيف يصل إلى موعده؟ ارتأيت أن أهدئ من روعه فذهبنا مشيًا على الأقدام إلى حيث كان مقصدنا وعدت لإنقاذ الحمارة من الهلاك في الطين. بعد اللتيا والتي نجحت في إخراجها بعد تخفيف الحمولة من على ظهرها، وأظن أنني حصلت على بعض العون من المارة. عدتُ على ظهرها جذلان وسرّ أخي بنجاحي في المهمة بدلًا من العودة على الأقدام.
من الطبيعيّ جدًّا في ذلك الزمان أن يستخدم الناس ما توفر لهم من طريقة للعيش، ومن ذلك ركوب الحمير. من سكن جزيرة تاروت والقطيف ونواحيها قبل أكثر من نصف قرن أو زارها يدرك أن هذا الأمر غير مستغرب، حيث كان الناس يتباهون بأجمل وأقوى حمار أو حمارة، كما نتباهى نحن الآن بأحدث أنواع السيارات في زماننا الحاضر. من يدري ربما يحكي الناس عن السيارة في المستقبل ويقولون: كان شيء اسمه "سيارة" في ذلك الزمان!



