مشاهد من حياتي بين زمانين!

بدأنا شهر حزيران وصارت الدنيا نيران! أينما نولي وجوهنا فليس إلا شمس حارقة. نرجو من الله أن يعوضنا ببرد الآخرة عما نعانيه في الدنيا!
لست بدعًا من أهل هذا الزمان، فإذا صاروا يخبرون ماذا يأكلون ويشربون وما يخبئون في بيوتهم ويصورون أنفسهم في حالاتهم المختلفة فها أنا ذا في سنوات المشيب أفعل ما يفعلون:
َومَا أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ... غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ
قضينا نهاية الأسبوع في مدينة الرياض التي تتغير كل يوم؛ تتفتح وتنفتح حتى أصبحت -ما عدا شدة الحرارة وبعض الأشياء- تشبه مدينةً غربية كبيرة في عمرانها وازدحامها وتنوع ساكنيها وعادات أهلها. يومين بين الأهل والعرضات بالسيوف النجدية وحفل بهيج امتلأ بصيحات الآباء والأمهات والأقارب. الغرض من قضاء "الويكند" كما يقول المتمدنون أو عطلة نهاية الأسبوع حضور حفل تخرج ثلاثة من الأحفاد في المرحلة الثانوية. رحم الله زمانًا كنا ننجح بامتياز ولا أحد يحتفل أو يكترث! إذا حضر أحد الآباء المدرسة نسأل: أوه، ماذا يفعل فلان في المدرسة؟ ابنه في ورطة؟
يلاحظ القراء الكرام أنني أحث على الزواج المبكر بشدة وذلك لأن تجربتي الشخصية كانت ناجحة. الإبكار في الزواج وصفة ناجعة للاستقرار النفسي والوظيفي والاجتماعي والديني. اقترنت باكرًا -في السنة الأولى من الدراسة الجامعية- لأن العيش في الغرب دون زواج قد ينتهي إلى خراب مالطة. بعد الزواج رزقنا الله في الخارج وردتين في سنوات الدراسة. أثبتت الأيام صحة هذا القرار وكانت ثماره على المستوى الشخصي باهرة. اليوم احتفلنا في مدينة الرياض بإنهاء ثلاثة من أبناء للبنات أو الأسباط المرحلة الثانوية وهم يستعدون للدخول إلى عالم الرجال. بحمد الله أستطيع التواصل معهم وفهم لغتهم والتعرف على همومهم وأساعدَهم أينما استطعت.
من الجميل أن نقف لحظة كل صباح لنستذكر نعم الله علينا، فهو المعطي. أبناء وبنات وأحفاد {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ}. وجود الأبناء والأحفاد والأزواج للإنسان من النعم الإلهية الكبيرة التي أنعمها سبحانه وتعالى؛ لأن الدنيا بهم أجمل وأحلى. اثنان من الثلاثة، توأمان، ما ظننا أن يكملا يومًا واحدًا عند الدولة. ولدا بوزن ستمائة جرام وعدة شهور تحت المراقبة! ثم الآن بحمد الله شابان رائعان!
مرحلة الدراسة الثانوية أس السنوات الدراسية وأهمها، مفتاح لما بعدها من سلسلة النجاحات أو الفشل. التعليم كما هو لا يأخذ في الحسبان النباهة والإبداع من خارج صندوق المدارس مع أن الحكايات عن الناجحين من خارج الصندوق عديدة! لذلك على الطلاب التكيف مع نظام التعليم، لا الشذوذ عنه. مشكلتنا كبار السن أننا لا نفهم الشباب ولا يفهموننا، حوار الطرشان يغلب على أحاديثنا بسبب الطفرة الاقتصادية والتقنية فصار بيننا وبينهم سور عال عادة ما يكون سمته الصمت ولا يمكننا بذلك إعانتهم في حل مشاكلهم الدراسية وسواها من مشاكل.
قبل أن أودع هذه الخاطرة أشد على أيدي الآباء والأمهات على عدم تضييع فرص حضور مناسبات التخرج فهي تترك خلفها أثرًا بالغًا في نفوس الأبناء والبنات لا تمحوه الليالي والأيام.



