أيّ نعم الله تعتقد أنها النعمة الكبرى؟

دنيانا فيها ألماس وذهب وفضة وقصور ضخمة وسيارات فارهة وفلوس وأبناء وبنات وصحة وجاه. قولوا ما شئتم من النعم فأيها أعظم في رأيكم؟
تعالوا -أيها القراء الكرام- نسير معًا في رحلة افتراضية نستكشف نعمة الهداية ثم نحكم أهي أكبر من أي نعمة أخرى؟ سافرنا إلى بلدٍ واستأجرنا قاربا نتنزه في أماكن بعيدة في البحر، لا تغطيها الأقمار الصناعية. أخذنا المنظرُ بجماله، ابتعدنا عن الساحل وتهنا أيما تيهان وتعبنا أيما تعب. بعد أن يأسنا من النجاة ظهر لنا ضوء من بعيد فصاح أحدنا: لا تزعجوا أنفسكم، ذلك هو الطريق إلى حيث الأمان والسلامة! في هذه الرحلة لم نهتمّ بنعمة المال والولد، وإنما كان همنا الهداية ومعرفة الطريق. كيف -إذن- لا تكون الهداية إلى الخالق النعمة العظمى؟!
روعت عجائب حكمة الله خليله إبراهيم -عليه السلام- اشتد ظلام الليل فظهر أمام بصره ضوء كوكبٍ لامع فقال إبراهيم: هذا ربي! انتظر شيئًا من الوقت فإذا بالكوكب يغرب. قال إبراهيم: لا، ليس هذا ربي وأنا لا أحب الآفلين! مرة أخرى رفع عينيه إلى السماء فرأى قرص القمر الجميل يلقي بضيائه على الأرض فصاح: هذا ربي! لكن لما اختفى القمر خلف الأفق البعيد قال إبراهيم: ليس هذا ربي وإذا لم يدلني ربي إلى الطريق إليه فسوف أتيه مع التائهين.
انقضى الليل كله وأخذت الشمس تطل بأشعتها الجميلة الدافئة من المشرق وما أن رآها إبراهيم -عليه السلام- حتى صاح: هذا ربي لأنه أكبر وأقوى ضوءًا. لكن إبراهيم رأى الشمس تغرب ويلف الليل الكونَ بالظلام البهيم فأصدر إبراهيم قراره النهائي قائلًا: يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ!
تروعنا قدرة الله وحكمته كل حين، لكن نحن من يشيح ببصره عنها وإلا فهل يحتاج هذا الظهور إلى دليل! يكفي ما نراه في أنفسنا من عجائب قدرة الله أما إبراهيم -عليه السلام- فإنه لم يشك أبدًا في وجود الله، إنما كان يعلمنا كيف نصل بعقولنا إلى حقائق اليقين.
غاية المرام: عدوا ما شئتم من نعم الله وهي لا تعد، لكن معرفته سبحانه ومعرفة الطريق إليه أفضل من كل نعمة مادية. لذلك اهتمّ من عرفوه سبحانه بهذه النعمة وشَكروه عليها. ماذا لو خلقنا الله سبحانه في إحدى الغابات، لا نعرف دينًا ولا ربًّا ولا نبيًّا سوى ما اهتدت إليه فطرتنا؟ لكنه سبحانه أخرجنا إلى هذا الكون في ملة وعصر الإسلام، في بيوت وعوائل تقر له بالربوبية ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة فكفانا مشقة البحث عن الطريق.
"فَلَم أَزَلْ ظاعِنًا مِنْ صُلْبٍ إِلى رَحِمٍ فِي تَقادُمٍ مِنْ الأيَّامِ الماضِيَةِ وَالقُرُونِ الخالِيَةِ، لَمْ تُخْرِجْنِي لِرأْفَتِكَ بِي وَلُطْفِكَ لِي وَإِحْسانِكَ إِلَيَّ فِي دَوْلَةِ أَئِمَّةِ الكُفْرِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَكَ وَكَذَّبُوا رُسُلَكَ، لكِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي لِلَّذِي سَبَقَ لِي مِنَ الهُدى الَّذِي لَهُ يَسَّرْتَنِي وَفِيهِ أَنْشّأْتَنِي".
حقّ لمن حملنا إلى الطريق الواضح من غابة الجهل أن نقول له: شكرًا لك على جزيل نعمك! لو لم تحملنا لكنا مع التائهين الضالين!



