ما بين الإنسان والسُؤال.. حكاية حياة..

تأتي الكاتبة إيمان الجصّاص في إصدارها، الذي جاء بعنوان "غارقة في لفافات جدتي"، لتُضيء النّفْس البشريّة بالإنسانيّة عبر علاقاتها الاجتماعيّة، إضافة إلى الذّات، لتستظل تحت سعيفات النخيل، وذلك من خلال ما تضمّنته مجموعتها القصصية من أفكار، تتحدث عن الإنسان، عن السؤال الذي لا ينفك الإنسان من مزاحمته أو مداعبته..
أن تكتب القصة، تنقل فعلًا دراميًّا، تحتضنه الأحداث والشخصيّات، الزمان والمكان، هذا أمر جميل، ولكن الأجمل أن تصوغه بكيفيّة تجعل القارئ لا يكفيه المعنى المراد فقط، ولكنَّ القصة تسكنه، يعيشها حتى بعد الانتهاء منها؛ لأنها تلامسه، تتحدث عنه، متوافقة مع ما يهفو إليه أو ما يؤلمه.
هي الغارقة في الماضي الذي تمثل في جدتها؛ لتكون لفافاتها المشبعة بالحنان التي لا زالت تشم رائحتها على الرغم من كل هذه السنوات، تجعله عنوانًا، يشير إلى المحتوى في المجموعة، ليكون الأمل الطريق الذي اتخذته الكاتبة، لتنسج هذه المجموعة الملهمة والمستفزة لهذا اليراع، ليكتبها في بضع كلمات..
في قصة "عمو أحمد"، كتبت:
"في شاطئ البحر الأزرق بأمواجه الساحرة، والسفينة على امتداده كلوحة جماليّة، تغدقه روعة، يا لهذا السحْر الأخاذ"، ما أغرقني في هذه الأبجدية القصصيّة، نجدها الكاتبة أتقنت التوصيف، لتجعل من الحدث أكثر واقعيّة، وتبحر بالقارئ عبر التخيل الرطِب إلى الفكرة وروحها، وتشبعه بصريًّا، كأنما يجلس على كرسي ذات مساء، ليشاهد فيلمًا سينمائيًّا، وذلك من خلال خلق صورة جماليّة، قد يصفها البعض بالإسراف البلاغي غير المحمود؛ لأنه يفقد السياق قيمته، ويغيّب الفكرة على القارئ.
في قصة "مطعمة الحمام"، كتبت:
"تأتي كلّ يوم إلى هذا المكان؛ بالتَّحديد إلى هذه الحديقة الموجودة على أطراف الحي الذي تسكن فيه، ويقع في الجهة المُقابلة لمنزلها، تحمل حبوب القمح والماء، لإطعام طيور الحمام يوميًّا".
وفي موضع آخر من ذات القصة، كتبت:
ردت نور: "أنا السيدة نور، مطعمة الحمام، فهل عرفتني؟".
تتمتع الكاتبة في لغتها السردية بأنها لغة فنيّة، كريشة فنان، يدير ألوانه، لتتكوّن اللوحة المدهشة، وعليه فكلما كانت القصة كاللوحة بألوان أحرفها وتركيبها اللفظي، سنكون أمام قصة مدهشة، لها فاعليّتها في ذات القارئ وعقله، فلا تنتهي بانتهاء دقائق القراءة، ولكنها ستبقى معه، فالإبداع يكمن في كيفية تأثيث الكلمات، لتضع بين عيني القارئ ما يغري ذائقته، ويتزاوج مع أفكاره، كواقع وطموح، في سلة أمنياته وأوجاعه.
في قصة "واسأل قلبي عنك"، كتبت:
"اتخذ مقعده بجانبها، حدقا في بعضهما، برهة من الصمت تجتاح الوقت، تملأ المكان عفويّة، وكأنها غفوة العشق، تداهم العاشق بلا موعد أو رغبة".
قطع الصّمت الذي جعل القهوة تتجمد فيها الرغوة، تميل على قلب وردة المرتعش من تسارع نبضاته".
وفي موضع آخر من ذات القصة، كتبت:
"الآن..، تبكي وردة؛ لأنَّها تتمزَّق، إنَّها تعيش صراعًا نفسيًّا، طالما تُحدِّث نفسها: هل اختيارها صحيح أم لا؟".
وفي ختام القصة، كتبت بلغة الأمل:
"مهما عصفت بنا الحياة وآلمتنا، فإن الله سبحانه وتعالى، يختار لنا الصالح من أمورنا، فليس الألم مستمرًّا، وما هو إلا طريق، سنعلم بعد حين أن السعادة والراحة ستعانقنا، نعم، ولو بعد حين".
من مفردة "غارقة" في العنوان، فإن الكاتبة أرادت لنا أن نغرقَ، والغرق هنا ليس معناه المؤدّي إلى الموت، ولكنه الغرق الذي يهدينا الحياة، أن نتعمّق في الأشياء، أن نتعامل معها من القلب، أن نعانقها بكل الحنان والدفء، أن نحرك الإنسان في داخلنا، لنترجمَه فعليًّا في حياتنا، لتنبض أجسادنا بالإنسانيّة.



