أولسنا نقتدي بهم؟!

إن السعي لعمل الخير من أفضل العبادات وأجلها مقامًا عند الله، وقد توالت فيه الآيات والروايات المحمدية. قال تعالى: (وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍۢ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). وقوله تعالى: (وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا).
روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: (فعل الخير ذخيرة باقية وثمرة زاكية)، وروي عنه: (عليكم بأعمال الخير فتبادروها، ولا يكون غيركم أحق بها منكم). وعليه، حين تتبرع للمشاريع الخيرية (جمعيات، أندية، مآتم، لجان، مراكز، هيئات) فلا تتبع عطاءك بالمن والأذى أبدًا، وإن كان ولا بد من التوجيه فقدّمه بالأسلوب الأرقى والطريقة المثلى والبيان الأجمل والوقت الأنسب؛ قدّمهُ بأسلوب المتأمّل الراجي لا المتفضّل العاطي، وضع في حساباتك أن اقتراحاتك قد يؤخذ بها وقد لا يؤخذ فلا تكون لك ردة فعل - مطلقًا - تجاه القرار؛ فما أنت محمد صلى الله عليه وآله ولا قولك القرآن الكريم، كما أن رؤية المختص وزواياه قد تغيب عن الذين هم خارج الدائرة؛ وبذلك تنال رضا الله ورضا محمد وآل محمد ورضا الناس وتحصد عاقبة الخير ثمارًا يانعة.
كثيرٌ من رجالات المجتمع أفنوا أعمارهم، وبذلوا أموالهم وأوقاتهم وأفكارهم في خدمة الناس ثم خرجوا بخُفَّي حنين، وربما تلاحقهم الإهانات والشتائم من فقراء الأدب والتربية حتى بعد مغادرتهم الجمعيات أو اللجان الخيرية.
إن وجود مجموعات يسيرة في هذه الشريحة تستغل حاجة الفقراء والمعوزين وتتعامل بغير مسؤولية وبلا أمانة أو أخلاق لا يبرر للبعض سوء الظن أو التشكيك في الأغلبية بحال، وهذا أمرٌ طبيعي في كل فئات المجتمع وشرائحه دون استثناء، بل إن ذلك لا يعطي المبرر لضعفاء النفوس والسلبيين والمنتفعين والمتربصين والمصفين للحسابات للنيل من سادة المجتمعات بنشر ثقافة القذف والتوهين والتسقيط أبدًا تحت أي ظرف.
أفاضل الناس هم أحاسنهم أخلاقًا؛ والأخلاق الحسنة تبدأ بخدمة الناس وقضاء حوائجهم وتدبير شؤونهم والتعامل معهم بلطف وأدب نوعي؛ وهذا ما يقوم به الخيّرون من رجالات المجتمع.
تستحق هذه الصفوة الطيبة من رجالات الخير والإنسانية المتفانين في خدمة مجتمعاتهم أن يكونوا قلائد من نور ترتديهم الأجيال جيل بعد جيل في كافة المجتمعات، كما أنهم يستحقون الاحترام والتقدير والتكريم قبال ذلك مهما امتدّ بهم العمر، بل تستحق أعمالهم أن تكون صروحًا خالدة ورايات خفاقة يتغنى بها الزمن.
الشرفاء من أبناء المجتمع هم الذين يطوّقون رقابهم بالفضل والجميل، ويحملونه لهؤلاء الأفاضل.
نحن لا ننفي وجود بعض التقصير أو بعض الأخطاء الإدارية، لكنّا ننفي أن تكون هناك نوايا سيئة أدت إلى هذا التقصير أو الإخفاق.
وعليه؛ لنكن مجتمعًا واعيًا يحفظ لأهل الفضل أفضالهم ولأهل العطاء عطاءهم بحسن التعامل والذكر الجميل، ونبتعد عن ثقافة العنف وتصفية الحسابات والتسقيط والتشويه مع من نختلف معهم أو مع من لا نحبهم.
كان محمد وآله يتعاملون مع أعدائهم بآداب وأخلاق عالية وهم يعلمون بخبث سرائرهم وسوء نواياهم؛ كما فعل أمير المؤمنين عليه السلام حينما كان الماء بيده في صفين، وما فعل الإمام الحسين عليه السلام حين أمر بسقاية جيش العدو وترشيف خيولهم في كربلاء. إذا كانت أخلاق آل محمد مع أعدائهم بهذه الطريقة الراقية العظيمة فكيف يكون تعاملهم مع أهل الفضل والجميل والمعروف من أحبابهم وأصحابهم؟!؛ أولسنا نقتدي بهم؟! أم نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض؟!.



