«وداعًا أيها المرض (1)»

كل حلم وكل رغبة وكل إرادة إنسانية في هذه الحياة من الممكن أن تتحقق، أو يجب أن تتحقق -بإذن الله تعالى- حتى الأحلام التي تبدو مستحيلة وبعيدة المنال بالإمكان أن ترى النور إذا أخذنا بالأسباب ووضعنا الخطط وعقدنا العزم على تحقيقها، ما دامت هذه رغبة إنسانية ملحّة، ولا سبيل إلى الشك في وجودها. فإذا رغبتَ في أن تعيش بصحة جيدة، عليكَ أن تبتعد عن كل المثيرات المرضية، وإذا رغبتَ الهروب من منغصات كثيرة، عليكَ التخلص من عقدة العجز الذي يحول بيننا وبين ما نتمناه!
تبدو رغبة الحياة المتنفس الوحيد لواقعنا الموجع، فسعادة الإنسان في الدنيا مرتبطة بصحته التي فقدها الكثيرون في عصرنا الحاضر وحل محلها زيادة الأمراض وارتفاع الوفيات وتأخر شفاء المرضى، فالعديد من الأمراض لا يستطيع الطب الحديث علاجها. وهكذا نرى أن الصورة قاتمة، أصبحتْ لدينا أمراض غير معروفة السبب، ولا يمكن علاجها، لقد فقد الإنسان المعاصر متعة الحياة، وحلّت محلها المحن والأمراض.
لا جدال في أن الصحة تكلف ذهبًا، وهي أثمن بكثير مما تظنون! فالصحة تاج على الرؤوس يتناسى فضلها الأصحاء حتى إذا ما أصيبوا بمرض ما؛ أدركوا قيمتها، وقدروا كنهها، وأخذوا ينشدونها جادين جاهدين مستعينين بكل ما عرفته الإنسانية من وسائل وطرق إلا أنه مع تقدم الإنسانية وتطور الحضارة أصبح العالم ينظر إلى الصحة بعين الاعتبار، ويحاول بكل ما أوتي من طرق أن يجعلها تخيّم فوق رؤوس الجميع وتطرد أشباح الأمراض، وآلام الأسقام.
إن كل شيء في هذه الحياة ما هو إلا سلسلة متصلة من أسباب ومسببات، وإذا اختلّت بعض حلقات السلسلة اختلّت باقي حلقاتها. إن استمرار حياة الإنسان مرهون ببقاء أسباب الحياة على الأرض التي لا يبدو لنا منها إلا أمراض وأوبئة جديدة عمت العالم وأصبحت خارج السيطرة! من منَّا لم يمرض؟ ومن منَّا لم يتناول ذات يوم حبة دواء؟ لا يمكن أن نتصور إنسانًا قد أمحي منه المرض تمامًا، فكل منَّا قد جرب المرض الذي لا يستطيع أحد اجتراره، وهو واحد من معطيات قطار العمر. نعم ليس في استطاعتنا أن نمنع المرض، وإنما علينا أن نبذل كل جهدنا لنصرفه عن أنفسنا، فجميع الناس يودون أن تكون أبدانهم قوية وخالية من الأمراض. ومنذ نشوء الحضارات القديمة وهاجس الصحة والمرض يؤرق حياة الإنسان ويشغل باله وفكره وربما فطن الإنسان منذ عصوره الأولى إلى ضرورة البحث عن الوسائل والطرق التي يمكن أن تخلصه من مسببات المرض. المرض الذي يودي بحياته.
تُعد الصحة والمرض من المظاهر الحياتية الحتمية ولها علاقة بسلوك الإنسان، وتوثر في كافة نشاطاته الحيوية. إن صحة الإنسان هي أغلى وأهم ما يمتلكه في حياته الدنيوية لأنها مرتبطة ببقائه ووجوده وقدرته على السعي وراء متطلبات الحياة والاستمتاع بمباهجها. الباحث عن متعة الحياة من أجل الحياة، والرغبة التامة في الصحة من أجل السعادة، من الممكن أن تصبح حياتنا أفضل إذا اخترنا بدائل وخيارات حياتية سليمة. فلا قيمة للحياة ما دامت صحتنا تسوء إلى درجة لا تطاق، أجسامنا تصارع المرض وتلحق الأذى به وتعرضه للموت بدلًا من الحياة. إن ما يهمنا في زمننا الراهن هذا هو التخلص من المرض الذي يعكر صفو حياتنا، فهل نستطيع فعل ذلك؟ قد يقال لا مناص من المرض في هذه الحياة. الحياة المحدودة المليئة بالشدائد والمنغصات. يمكننا أن نحصل على الشباب والصحة طوال حياتنا إذا كانت لدينا الإرادة والثبات والمثابرة.
هل بدأ الإنسان يسأل نفسه لماذا نمرض؟ وما العلة الحقيقية للمرض؟ وكيف يمكن مواجهته والانتصار عليه؟ وكيف تصبح حياتنا بلا مرض؟ الإجابة عن هكذا تساؤلات هو ما يعرف بجوهر الحياة. لا شك في أن أعظم ما يرغب فيه الإنسان هو ألا يمرض، ولا يمكن تحقيق هذا المنال عن طريق أي إجراء طبي! إننا نعيش في القرن الحادي والعشرين تحت وطأت الأمراض الوبائية والحادة منها والمستعصية التي تتطلب علاجًا سريع الفاعلية، وهو ما عجزت الأدوية الكيميائية هذه الأيام عن مواجهتها، واحتسابًا لقدرة الأعشاب الطبية والنباتات والأغذية الطبيعية الأسرع والأكبر، كونها تجعل الجسد يتولى تصحيح وضعه بقدراته الذاتية، وكما قيل سابقًا «في كل جسد طبيب يسكنه».
لقد شهد حاضرنا أمراضًا جديدة لم تكن معروفة من قبل، رغم الكم الهائل من التطور التكنولوجي المذهل في المجال الطبي المستخدم في صحة الإنسان، وكان من الطبيعي نتيجة لتلك التقنيات والتطور الطبي أن نتخلص من الأمراض، إلا أننا نرى المرضى فالصغار والكبار يترددون على المشافي والمستشفيات لعلاج مستمر، لهم كل يوم طبيب جديد وفحوص جديدة، وهم لا يبدون ارتياحًا، هم يتألمون ويطول شفاؤهم، بل تحولت معظم أمراضهم إلى أمراض مميتة.
نؤمن بأن مهنة الطب عمل مبدع، وأن إتقان العمل من ضرورات مهنة الطب، وأن ما يتعرض له المرضى من نوبات ألم قاسية وانهيارات متكررة، لم تكن إلا صورة من صور الموجات العاتية من الأمراض التي لم يعرف لها الأطباء سببًا.
في خضم هذا العجز الطبي في عصر التقدم التقني الذي نزعم كلنا أننا نتفهم دوره العلاجي، يبرز أكثر من سؤال: هل يتقدم الطب أم يتأخر؟ ولماذا هذا الكم الهائل من الأمراض؟ وهل العلاج بالأدوية المصنعة كيميائيًا مأمونة الجانب بشكل عام أم أن لها إشكالاتها ومضاعفاتها أيضًا؟ نعم، لا يحتاج المرء اليوم إلى كثير من الجهد ليعرف ما وصلت إليه الأبحاث والدراسات في عالم الطب، ولكن للتقدم في المجال الطبي جوانب مظلمة قد لا يعرفها غير الباحثين والمقربين من الهيئات والمنظمات الدولية! ما يفسِّر ذلك، مصيبة العالم في انتشار الأمراض، وتكمن في فقدان مفهوم التقدم والتطور وجهته التي كنَّا وما زلنا نفترض أنها يجب أن تكون في مصلحة الإنسان وتنقذه من كل الأمراض، لكن دخول الفكر المادي حوّل الطب الحديث إلى طب غير مأمون الجانب بشكل عام.
للطب الحديث فهم ضعيف للمرض ويعتمد على قمع أعراض المرض بدلًا من معالجة أسبابه الحقيقية، فلا عجب أن يموت معظم الناس من أمراض هي في قاموس الطب الحديث نادرًا ما تشفى، بينما في قاموس الطب البديل الذي يهتم بتفعيل مقاومة الجسد الذاتية، يمكن علاجها. والأطباء لا يميلون بذلك في هذه الأيام، ويتطلعون إلى العلاج الدوائي. لذلك يجب على الطب الحديث البحث عن السبب الحقيقي ثم وصف العلاج المناسب لكل حالة.
ما يشغلني ويشغل غيري من الناس أنه لا توجد لدينا معلومات كافية حيال كيفية التعامل مع المرض، بل إن أكثر الناس يستدعون الطبيب لا لفحصهم وإنما ليستمع إليهم! هناك سلسلة من التحديات بدأت تفرض ذاتها أمام الطب الحديث، تمس بمبادئ وأﺧﻼقيات الطب، من هنا لابد أن نفرق بين الفكر المادي وأخلاقيات الطب، فالتعاطي التجاري مع مراكز الأبحاث، ولجوء شركات الأدوية لنشر أبحاث ذات نتائج متميزة مقابل رشاوٍ كبيرة، وبعض الشركات الكبرى تمارس ضغوطًا على مراكز الأبحاث بعدم نشر البحوث في الاتجاه العلمي السليم، هي وسائل غير قانونية أو لا أخلاقية في سعيهم إلى الثروة على حساب القيم الإنسانية، مما جعل مراكز الأبحاث أسيرة هذا الفكر، الذي من خلاله فقد الطب توازنه وإنسانيته.
نعم، في ظل هذا النمط الجديد من التفكير فمن الطبيعي أن يتراجع الطب الحديث لحسابات مادية، هناك من يجزم بأن المنهج العلمي والتقدم والتقنيات الحديثة لم تعد مبنية على أسس سليمة كما كنا نظن، لقد قامت على فكر مادي لا يتناسب مع صورة المنهج العلمي والأمانة العلمية! وكان من المتوقع بعد انتشار العقاقير المصنعة وتنوعها أن يتراجع المرض، وتزداد السيطرة عليه، ولكن الذي حدث هو العكس تمامًا، فقد عرف الإنسان الحديث أمراضًا عديدة لم تكن معروفة من قبل، بل ودخلنا عصر الأمراض المزمنة التي أمسكت بخناقنا وستبقى مدى الحياة، ومن جانب آخر هناك مجموعة من الممارسات المَرَضية والعادات السيئة، قادت الإنسان إلى مشكلات صحية خطيرة، لا نحتاج إلى الكثير من التأمل لندرك أن الكثير من الناس فقدوا حياتهم بسبب سلوكياتهم الخطيرة.
تجدد العمر ونقص سنواته لابد أن يقترن بالصحة، أزعم أن هذا الاقتران هدف حيوي، فهو إذن هدف ممكن، وهو ممكن فهو إذن ممكن اليوم. وحيث إن نواميس الحياة تصر على أن الآمال والطموحات لا تتوقف، ولا يجب أن تتوقف وأن كل عمل كبير يبدأ حلمًا فإننا نحلم الآن بأن تكون حياتنا بلا مرض. الكل يحاول اجتناب المرض، فهل نستطيع تجنب الأمراض ونعيش حياتنا بحيوية ونشاط؟!
وللحديث بقية.



