أول درس في اقتصاد الأسرة!

توطئة: كلنا نمارس علم الاقتصاد في حياتنا وبطرق مختلفة. دعني أضرب لك مثالًا: بعضنا يشتكي؛ الراتب الشهريّ لا يكفي، ينتهي عند منتصف الشهر! ثمّ تراه يتبع نمطًا من الاقتصاد يعجل بالقضاء على ما يدخل في جيبه في يومٍ واحد وكأنما هو في سباق، من يصرف ما في الجيب أولًا بانتظار ما في الغيب؟! الثاني يكفيه الراتب ولا يستدين. أما الثالث فيكفيه وزيادة، يدخر منه جزءًا لما يستجد من حاجات.
اقتصاد الأسرة هو عصب الاقتصاد. مهما تعددت نظريات الاقتصاد وحساباته إذا خفت رغبة الفرد في الاستهلاك تأثر الاقتصاد، وإذا ازدادت رغبته في الشراء تأثر الاقتصاد. أبسط درس في الاقتصاد هو نظرية الدخول والمصاريف والتوفير؛ دخل الأسرة ناقصًا ما تصرفه يساوي ما توفره ونستطيع كتابة هذا الدرس رياضيًّا كالتالي: دخل الأسرة - مصروف الأسرة = مبلغ التوفير.
الأهم في المعادلة؛ أين هي أولوياتنا وكيف نصرف المداخيل؟ ذي قبل لم نعرف مكانًا نأكل فيه سوى بيتنا ومطبخ بيتنا تديره مديرة مقتدرة على التوفير وعدم التبذير. أما الآن أفلا يذهلك عدد المنافذ والأماكن التي نتزاحم على أبوابها عدة مرات في اليوم، نشتري وجبة إفطار وغداء وعشاء وفي ما بين الوجبات الثلاث غير ذلك من الأكل والشراب؟! كم يذهب من ميزانيات أسرتنا على الكماليات التي يمكن أن نستغني عنها بسهولة ولا نشعر بذلك؟ أول هذه الكماليات الإصرار على شراء الأكل من خارج البيت!
لقد اختار الإسلام حدّ التوسط والاعتدال في الاقتصاد؛ لم يحرم التمتع والاستفادة من الموارد إنما وضع لها قوانين. وضع قانونًا للأكل والشرب وهو: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}. توجيه ثبت اليوم أنه واحد من أهم التعاليم الاقتصادية والصحية، ومن لديه شكّ فلينظر ماذا ينتج عن الإفراط في الأكل - وخصوصًا خارج المنزل - من علل في الصحة وخسارة المال!
لا شكّ أن الأكل والشرب قد لا يكون أعظم مصروف أسري فهناك أشياء أغلى من الأكل والشرب وذلك ما يحتم أن يكون اقتصاد الأسرة بأجمعه موجبًا لا سالبًا، بمعنى ألا تتراكم الديون؛ إيجار دار، شراء سيارة، تعليم، سفر، وغير ذلك مما ينتج عنه استدانة واختلال في أولويات الصرف. التوازن بين الكسب والإنفاق، من أول أساسيات الاقتصاد، تسعى لتحقيقه الدول كما تسعى لتحقيقه الأسر. ثم المفاضلة؛ أي الحاجات أهم وأولى بالاهتمام، أي منها ضروري وأي منها يمكن الاستغناء عنه؟
{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}، منهج الاعتدال في الحياة بما فيها المعيشة يشبه الميزان فلا ينبغي أن يكون الإنسان من البخلاء ولا يتجاوز الحدّ المعقول في الصرف والبذل ويلام على ذلك. روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "من اقتصد أغناه الله".



