أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عبد الله (11)

رضي العسيف · القطيف اليومالخميس 3 أكتوبر 2024، 1:49 م
عبد الله (11)

لم تكن هذه هي الزيارة الأولى لسوريا فلقد زرتها من قبل مع أخي الأكبر، كنا مع سفريات الهزيم بالشويكة وأذكر أن سعر التذكرة ذهابًا وإيابًا بـ300 ريال تقريبًا.

هكذا أكمل عبدالله حديثه عن زيارته لسوريا. سألته: في أي عام كانت زيارتك مع الشباب؟ أجابني: كان ذلك بعد تخرجي في الكلية أي في صيف عام 2005م وكانت زيارة ممتعة وبها حدثت المفاجأة الكبرى. سألته أي مفاجأة؟! قال: دعني آخذك إلى تلك الأيام، أتجول معك بذكريات جميلة في تلك المنطقة. قلت: صدقت. كانت أيامًا جميلة رغم بساطة العيش في تلك المنطقة إلا أنها تحمل ذكريات جميلة. قال عبدالله: بعد أن استقر بنا الحال في (بيت الخضرة) والذي أطلقنا عليه الفندق الأخضر عندما سألنا أحد الشباب أين تسكنون؟ كانت إجابتنا في الفندق الأخضر. ضحكنا من هذه الإجابة، فقد كان بيتًا متواضعًا. ذهبنا لحرم السيدة السيدة زينب عليها السلام وعند دخولنا شعرت بالهدوء والاطمئنان والسكينة. روحانية الصلاة والدعاء تتسلل إليك. عندما تقرأ فقرات الزيارة تنهمر دموعك على خديك تتذكر السيدة زينب عليها السلام في يوم عاشوراء وما جرى في ذلك اليوم من مصائب. بقيت أتأمل في زوايا الحرم الزينبي. حتى وقع نظري على رجل عليه سيماء الصالحين. سمعته يقرأ دعاء كميل. اقتربت منه وصرت أردد معه فقرات الدعاء. حتى وصل لمقطع "اَتُسَلِّطُ النّارَ عَلى وُجُوه خَرَّتْ لِعَظَمَتِكَ ساجِدَةً، وَعَلى اَلْسُن نَطَقَتْ بِتَوْحيدِكَ صادِقَةً، وَبِشُكْرِكَ مادِحَةً، وَعَلى قُلُوب اعْتَرَفَتْ بِاِلهِيَّتِكَ مُحَقِّقَةً، وَعَلى ضَمائِرَ حَوَتْ مِنَ الْعِلْمِ بِكَ حَتّى صارَتْ خاشِعَةً، وَعَلى جَوارِحَ سَعَتْ اِلى اَوْطانِ تَعَبُّدِكَ طائِعَةً وَاَشارَتْ بِاسْتِغْفارِكَ مُذْعِنَةً، ما هكَذَا الظَّنُّ بِكَ وَلا اُخْبِرْنا بِفَضْلِكَ عَنْكَ يا كَريمُ يا رَبِّ" حتى خر ساجدًا وصار يبكي وهو يردد يا ربي يا ربي. انتهى هذا الرجل من الدعاء. قررنا أن نتركه منفردًا يمسح دموع الخشوع. في الحرم الزينبي أنت تجدد العهد مع الله. تتوب إلى الله. تشحن نفسك بالتقوى. تتأمل في سيرة السيدة زينب وتقتبس منها تلك الدروس العظيمة. هكذا كنا نتحدث ونحن عائدون للشقة.

مررنا بشارع التين. الشارع الشهير في حي السيدة زينب عليها السلام. عندما تتحدث عن هذا الشارع يظن البعض أنك ستتحدث عن شارع الشانزليزيه في باريس، بينما أنت تتحدث عن شارع عرضه 20 مترًا وطوله 500 متر تقريبًا ولكنه شارع تجاري مزدحم جدًا. مررنا بتسجيلات الشايب، محلات الحلوى. محلات الأحذية. كان ضمن برنامجنا أن نذهب لزيارة السيدة رقية في دمشق. ولكن قبل أن نذهب للمقام الشريف كان لابد أن ندخل سوق الحميدية وهي أشهر الأسواق الشعبية في دمشق، وأكثرها جمالًا ورونقًا، كنا نشاهد المحلات وما تحويه من بضائع شعبية، وبعض محلات العطور، ومحلات الأغذية والحلويات والآيسكريم. توقفنا عند محل للبوظة (بوظة بكداش) وهو محل مشهور، دخلنا وتناولنا بعض البوظة. واصلنا التجول في السوق حتى نهايته دون أن نشعر بالتعب. من سوق الحميدية دخلنا الجامع الأموي تجولنا في الجامع حتى وصلنا لمقام النبي يحيى عليه السلام، وبعده اتجهنا لمقام الإمام السجاد عليه السلام، ثم توجهنا لمقام رأس الحسين عليه السلام. خرجنا من الجامع الأموي وتوجهنا لمقام السيدة رقية بنت الإمام الحسين عليه السلام دخلنا المقام فكان مقام الخشوع والسكينة جلسنا نقرأ الزيارة والقرآن والأدعية وأدّينا صلاة المغرب والعشاء. بعد هذه الجولة كان لابد أن نذهب لأحد مطاعم دمشق، حيث بدأت بطوننا بطلب الرحمة وإشباعها بوجبة عشاء شهية. فكان لها ما أرادت واخترنا أحد المطاعم الشهيرة وطلبنا وجبة العشاء ذات الطابع السوري الطازج، وما هي إلا لحظات حتى امتلأت الطاولة بمختلف الأصناف من المقبلات ثم تبعها المشويات والعصيرات. كانت وجبة شهية لم أتناول مثلها منذ فترة زمنية طويلة. وفي نهاية هذا اليوم السياحي عدنا أدراجنا لحي السيدة زينب حيث محل إقامتنا في الفندق الأخضر أقصد بيت الخضرة.

توقف التاكسي بجانب فندق السفير وهو فندق مستوى 5 نجوم في تلك الأيام، قررنا أن ندخل الفندق للاطلاع فقط.

دخلنا الفندق. رحب بنا موظف الاستقبال. سألنا هل تريدون حجز غرف. ابتسمنا وقلنا: في الحقيقة إننا دخلنا لنأخذ فكرة عن الفندق ربما في الزيارات القادمة نسكن معكم. قال الموظف مبتسمًا: إن شاء الله في العام القادم تكونون متزوجين وتقضون معنا شهر العسل. ضحكنا وقلنا له: الله يسمع منك. صرنا نتأمل في جمال الفندق. قال الموظف: يوجد لدينا مطعم إن أحببتم أن تتناولوا وجبة عشاء أو أي شيء على ضيافتنا. ابتسمنا وقلنا له: كلك ذوق، وشكرًا جزيلًا لك على هذه الأخلاق الجميلة.

خرجنا من الفندق وصرنا نضحك ونضحك. ونقول: شهر العسل في فندق السفير في حي السيدة. ربما يتحقق هذا الحلم في يوم ما. ضحكنا. قال مجيد: لكن في السنة القادمة لن نسكن في الفندق الأخضر سنسكن هنا في فندق السفير حتى لو أسبوع واحد.

في أحد الأيام وبعد أداء صلاة الصبح وقراءة الزيارة والأدعية والقرآن، سمعت صوت أحدهم يسلم علينا، رفعت رأسي، نظرت إليه: منْ؟! سيد علوي، احتضنته وقبلته. قال سيد علوي: كيف حالكم؟ متى وصلتم؟ قلت: أهلًا بك سيد، منذ زمن لم ألتقيك، كيف صحتك؟ ابتسم سيد علوي وقال: الحمد لله. متى ستقومون بزيارتنا؟ ما رأيكم أن تحضروا الليلة بعد صلاة المغرب، لدينا احتفال بمناسبة ميلاد السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام. قلنا: نعم سنحضر. هذه فقرة من برنامج في هذه الزيارة. عندما خرجنا من الحرم الزينبي لمحت سيدة في نهاية الثلاثين من عمرها تبيع الحليب الساخن مع الخبز -يمكن أن نطلق عليه في يومنا هذا بـ(كوفي السيدة)- وحولها مجموعة من الرجال يشربون الحليب. بعضهم سعوديون من أبناء القطيف وبعضهم سوريون يستعدون للذهاب للعمل. تذكرت في هذه اللحظة أيامي الجميلة عندما كنا نبيع الحليب قرب مسجد الشيخ علي المرهون.

بعد صلاة المغرب حضرنا الاحتفال وكان برفقتنا الحاج أبو حسن، وكان احتفالًا بهيجًا. فقراته كانت هادفة. الكلمة الرئيسية والشعر ثم الموشحات. وكان الحضور غفيرًا. في نهاية الحفل ودعنا سيد علوي وشكرناه على هذه الدعوة، قال سيد علوي: آمل أن نلتقيكم مرة أخرى. خرجنا من (مقر الاحتفال) وكان هناك ازدحام شديد في الشوارع بسبب الاحتفال، حيث كانت هناك فعاليات في مقام السيدة زينب عليها السلام. قررنا ألا ندخل شارع التين. ونذهب لشارع المدارس فهو أقل ازدحامًا. توجهنا لشارع المدارس حتى وصلنا لمكتب الهزيم (مكتب سوريا) وهناك كان تجمعًا لمجموعة من أبناء القطيف وبالخصوص الشويكة. التقينا بعض الشباب وتناولنا معهم الشاي والحلويات بمناسبة المولد. في الشقة نظرنا للبرنامج الذي أعددناه مسبقًا وقلنا: بقي علينا الأرض السعيدة وسوق باب توما.

قررنا أن نذهب للأرض السعيدة أولًا في الليلة القادمة. الأرض السعيدة هي أكبر مدينة ملاهٍ في دمشق على طريق المطار. ربما تشبه عالم والت ديزني في فلوريدا (نكته) وصلنا للأرض السعيدة وقررنا أن نلعب بعض الألعاب المناسبة لنا. قضينا ساعات ملؤها الضحك والمرح والبهجة. كنت أحتاج لهذه الفسحة من الترفيه. روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: (روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلت عميت)، بعد هذا المرح تناولنا طعام العشاء في أحد المطاعم القريبة من الأرض السعيدة ثم عدنا لشقتنا. في اليوم الثاني ذهبنا لحرم السيدة زينب عليها السلام وأدّينا الصلاة والزيارة. قرأت بعض الأدعية وشعرت أن هناك حدثًا سيحدث لي. كنت مطمئنًا مسرورًا. أتحدث مع الأصدقاء بنفس ملؤها الحيوية. حتى قال محمد: الحمد لله، عادت (لعبود) حيويته. تناولنا الفطور. بعد ساعات رن هاتفي، نظرت للرقم: هذا رقم سعودي ليس مخزّنًا في جوالي. قلت للشباب هل أرد عليه؟! قال مجيد: وماذا تنتظر رد عليه! فتحت الجوال: نعم أنا عبدالله، من انت؟

نهضت من مكاني! ماذا؟! كان الشباب ينظرون إلي. قال محمد: ويش فيك؟! قلت: شركة، شركة بيكرهيوز، نعم سأحضر، نعم. أقفلت الهاتف. نظرت ناحية مقام السيدة زينب وقلت ودموعي على خدي. شكرًا لك سيدتي.

للقصة بقية!