مُزدحم بالفراغ فوق خُوان الأدب

صوت طهارة فوق اليد، والضوء رائحة الكلام.. أنفاس وكلمات مُؤنسة للنّفس، تنزلق برفق في كيانك البشريّ، تعانقها مثل رضيع يعانق أمه، استسلم لجمال اللحن.
هكذا يرمي الشاعر علي مكي الشيخ بشباك كلماته الآسرة في ديوانه: (مزدحم بالفراغ). إنّها الوليمة الشعريّة الممتدّة فوق خوان الأدب بأنفاس زكيّة تعكس رقّة ناظمها، تداعب الوجدان وتثري الفكر.
وكلّما اتّسع القلب لـ( مزدحم بالفراغ) سوف تُدرك بأنّك في حضرة شاعر مُتمكّن امتلك الكثير من مقومات النظم الراقيّ فلاح لك شرف المعنى وصحته، وصفّقت لجزالة اللفظ واستقامته، فيستقبلك معجم لغويّ فاخر، صُبّت فيه الألفاظ الجزِلة، والمترادفات العطريّة الزاهرة.
أما على مستوى الموسيقى الشعريّة فيلاحقك سيلٌ عظيم من الإيقاعات المُدهشة، يعزفها الشاعر تارة طبولًا تُقرع وأخرى خرير ماء ينساب رقراقًا بين عينيك ناهيك عن الإصابة في الوصف الذي وظّفه الشاعر فأحسن الوظيفة والمسعى.
فانظر إلى جمال قصيدة (ويشهد الطير) إذ يقول فيها:
أمشي
وكان معي .. يمشي مجاز فمي.
ويشهدُ الطيرُ.. أنّي جئتُ من سبأِ.
سأخبرُ الآن ...
بلقيسًا وقريتها
علمي من الشّعر من علم الكتاب رُئي.
أرى فيها الجمال شاخصًا بعاطفة قويّة صِيغت بحبكة قرآنية مجيدة فاقتبست الجمال والجلال وكشفت المعاني العميقة خلف هذا النّص.
هكذا ترويك القصيدة تلو القصيدة حبًّا وجمالًا في ديوان: (مُزدحم بالفراغ) فتبحث لتقرأ مُستحسنها وتختار أقربها لنفسك لكنك تحظى بأنفس بضاعة شعريّة تأخذك نحو قصائد العرب فتستقصي المعاني وتبحث عن القواعد والمباني إلى أن تصل لأبهى حلّة في النّظم الشعريّ المميّز.
ويستمر نفوذ الحرف الراقص فيها فتبسطه على القلب والروح وتأخذك في رحلة تاريخية تسبر من خلالها أغوار الشعر القطيفي وما زخرت به مُدونات الأدباء في القطيف والخطّ والزّارة وجواثا فلا ريب أن يمتدّ نظم أقلامهم بمدّ بحرها واتّساع أراضيها المخضرمة بالشعر والأصالة.



