ألتمس منكم الدعاء لأمي

يا مهجة الروح يا ضياء العين. كم يعصرنا الألم حين نراك ممدة على السرير الأبيض، سادرة في أردية الصمت تلوذين بالفراغ، تئنين وعيونك مغمضة طوال الوقت، نناديك سلامًا وبعبارات ما قل ودل لعل محياك يستجيب، ما حال لسانك الطلق هل كف عن الكلام إلا من همهمات غير مفهومة، بالكاد تتلفتين والفكر سارح، تريدين أن تنهضي يا أم العزائم ولكن جسدك العليل يخذلك، هل خذلتك الأيام أم أتعبتك السنون؟
ما حال ردحك المستمر ثمانين حولًا والذي لم يهدأ يومًا بين قيام وقعود مثل صلوات مستدامة، حراك على حراك من الصحو حتى السبات.
كنت تظنين أن الليل هدوء وراحة بال، ولكنه حمل لك خلسة هول المفاجئة، صرخت بأعلى صوتك وقت (نومة الحلوة) فأفزعت النيام من مراقدهم فانتشلتك يد الإخوة والأخوات وسط ارتباك ونحيب، نودي على الهلال الأحمر القريب من البيت لكن سيارات الإسعاف مشغولة في نقل مرضى آخرين، فلذات أكبادك حملوك على عجل غائبة عن الوعي مذهولين من هول الدهشة، عند الثالثة والنصف فجرًا ساروا بك في عتمة الليل والشوارع خالية ومصابيح الطرقات في عيونهم مظلمة، حتى وصلوا بك لقسم طوارئ مستشفى القطيف، أشعة على الرأس بينت حجم التلف، بات نصفك الأيمن فاقدًا للحركة، حينها قالت الدكتورة المناوبة كان بالإمكان إنقاذ الوضع خلال الثلاث الساعات الأولى لكن الوقت الآن قد فات!
مع تباشير الصباح كنت في المعمعة أبكي أمي وسط آلام المصابين وأنين الأجساد من شيوخ وشبان، وكم أفجعني طفل دون التاسعة لم يكف عن البكاء فحال أبيه مثل حال أمي هو يشاطرني الألم والحسرات، هدأت من روعه أختي وزوجتي يمسحون على رأسه ويطبطبون على أكتافه بكلمات الطمأنينة.
مر الوقت كئيبًا والأنفاس مكتومة والكلام لا يسمع وسط حراك الممرضين والممرضات بين صخب الحالات الطارئة، كنا نترقب ساعة بعد ساعة خلو سرير لتأوي إليه، لكن كل الأسرة ممددة عليها أجساد عليلة، جرت اتصالات مكثفة للعديد من المستشفيات وبعد طول انتظار توالت الاعتذارات بعدم توفر أي سرير، حتى حسبنا جل الناس مرضى، لاحت بارقة أمل بحلول التاسعة ليلًا من قبل مستشفى خاص بالخبر، بعد ساعة ونصف رقدت أمي في مستشفى السلام.
أي سلام نصافحك به اليوم عن سائر الأيام الخوالي، كان صوتك الحنون يحتوينا في القرب والبعاد في السفر والانشغال باتصالات لا تنقطع كأننا لم نزل فراخك الصغار، يا أمي ما حالنا اليوم بعد مرور ثمانية عشر يومًا، لم يهنأ لنا عيش واليد في ارتجاف، حين أعدل شعرك الأبيض لأغطيه تحت (الملفع) تهتز الأكف مثل طفل خائف من كل شيء.
أمسح على جبينك فيعصرني الألم تلو الألم، أي قبلات أرسمها على رأسك المزدان بياضًا كبياض قلبك المحب للآخرين. جسدك النحيل يشكونا أم يشكو الزمان، فلذات أكبادك حيارى والدمع يترقرق كل يوم، والعيون مكحلة بالأسى، الخالات والخال وبنوهم في عطف أخاذ وثقة بالله لا محدودة، دعواتهم القلبية لا تنقطع تسمعينهم همسًا ووشوشة، وأنت تقلبين الأكف بيدك اليسرى حبًا لتلامسي نبض الأحبة، كلهم دعوات مرسلة للعلي القدير أن يمن عليك بالشفاء وعلى جميع المرضى.
يا أماه كم أتعبنا السهاد والأرق، صار النوم شحيحًا واللقمة غصة في الحلق، النظر مشوش والهواء خانق والرأي مضطرب! ليس بالعزيز علينا ونحن نراك شبه غائبة، لم نعهدك من قبل تصمتين برهة من الزمن، وأنت المسرورة بسرد الحكايات وسوالف الأولين وقصص الأسلاف.
كيف نهنأ بيومنا وأنت تئنين وأنابيب التغذية تتدفق لأنفك وعبر الوريد وأنت في الأصل تتوجسين خيفة من رائحة "الديتول" فكيف بالمستشفيات الفاضة بالمعقمات ورجفة المخاطر، خضعت سابقًا للبنج على إثر عمليتين، قبلت ذلك على مضض، ومع مرور الوقت باتت ذكراهما مؤرقة داخل نفسيتك الحذرة من غياهب التيه، والخشية تحاصرك من التفاف ملائكة الرحمة ورعاية الأطباء، تنفرين حتى من أجواء المراكز الصحية، بينما قلبك المتعب يتلمس لباس العافية من تعلقات أنفاس اليقين ونفائح التوسلات.
يا إلهي الطف بحال أمي المسكينة التي لا تقوى على الحراك، فأنت البصير بأمتك الضعيفة المحتاجة إليك دومًا، ألبسها ثوب العافية، امنن عليها بصحة وشفاء عاجل. إنك سميع الدعاء.
تحيات قلبية لكل من سأل عن والدتي من بعيد أو قريب وشملها بدعائه، والتحايا موصولة لكل من قرأ حروفي المبللة بالدمع، (ألتمس منكم الدعاء لأمي لعل أحدكم أقرب إلى الله منزلة وله دعوة لا ترد)، جزاكم الله خيرًا يا من تلهجون بالدعاء لها في السر والعلانية ورحم الله والديكم في الدنيا والآخرة.



