أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

وبرحيلك قد تحررت روحك من قيد الأوجاع

غالية المحروس · القطيف اليومالأربعاء 8 يناير 2025، 10:29 ص
وبرحيلك قد تحررت روحك من قيد الأوجاع

كنت أقلب صفحة الوفيات وتوجعت حد البكاء وأنا ألمح اسمك يشير إلى وفاتك، وحينها ثارت بداخلي زفرات من الوجع، قائلة: أي وجع ذاك الذي ستحمله العزيزات بناتك وأخواتك لا سيما عزيزتك أم لطفي بفقدك؟ صدقًا ذلك الوجع غير قابل للتزوير وليس له تفسير. نعم حين يموت من نحب يموت كل جميل داخلنا، فنحن لا نخاف الموت ولا نترقبه أو ننتظره، بل نعيشه ويكاد يتغلغل في أرواحنا وصولًا للنخاع. أذكرُ من أيام ِطفولتي في المدرسة، حين كنّا نقضي وقت الفسحة المدرسية نسرح ونمرح معًا، نحن الطالبات ومن بيننا الزميلة الراحلة هنية مهدي أبو السعود "تلك الهادئة الساكنة الأنيقة"، غير عابئات بمصير الحياة ولا همومها من موت وحياة، حتى ولم يخطر ببالنا حينها فكرة الموت ولا ندرك معناه! وكنا نعتقد -نحن الصغار- أن من يموت تصبح له أجنحة ويطير للسماء. كنت أتذكر كل ذلك وأنا أقرأ خبر رحيلك عزيزتي "أم رامي" وأنا أبكي حزنًا عليك أيتها الساكنة في قلوب محبيك (اسم الله عليك من الموت).

يمر العابرون في الدنيا وهم يسحبون خلفهم معاناتهم وأوجاعهم بشتى ألوانها، من انكسارات وغبن وكمية الخذلان، والتي تكلفهم الكثير من الجهد والصحة. وها أنا أفكر هذه اللحظة بكل معاناتك وأوجاعك الدفينة، بما فيها فقد ابنك محمد فجأة منذ عقود ثلاثة. ولعلك انتهيت إلى قرارِ أن لا بأس بالصبر والتعايش ولكنه كان باهظ الثمن، واكتشفت أيضًا أنك لست معنية بجديدٍ يضافُ لمعاناتك وابتلاءاتك.

عجبي أيتها الروح الساكنة داخلك يا هنية! من أين أتيت بهذا النوم الطويل والإغفاءة بل الإغماءة العميقة! التي طالت الخمس سنوات وأكثر بعد صراعك مع المرض؟ وإلى أين أنت تمضين؟ بعد رحلة طويلة ومريرة من الصمت والصبر الذي رافقك! آه لو شاءت السماء أن تمنحك يومًا بعافيتك قبل مغادرتك الدنيا! أتدرين ماذا سيفعلون أحبابك معك وبك! وبماذا أنت ستخبرينهم بتجربة صمتك وصبرك وصمودك الذي فاق التحمل! ولكن هذه هي الحياة، سلسلة طويلة من المرض والفقد والموت واستثناء بما فيها من انكسار القلب وكمية الخذلان الذي أخذ منك الكثير!

وبرحيلك آخر ما تبقى لك من الحياة، لتنتهي كل هذه العذابات والمحن والجهد والشقاء. وأنا أهمُّ هنا بالمغادرة لا يسعُني إلا أن أودعك وأدعو لك بالرحمة والمغفرة والسكينة ولتحرسك ملائكة السماء. وهنيئًا لك جنتك، ما هي إلا ثمرة صبرك وإيمانك والفاتحة على روحك الطيبة.

فعذرًا لهذا الحزن المتوغل في أعماق قلبي بكاء ووفاء.