حبيب إبريه.. سيرة حب متجلية

العابر كورنيش سنابس وقت (العصاري) سيلاحظ جلسات متعددة لرجال يفترشون الرصيف ذات اليمين وذات الشمال تتفاوت أعمارهم والتوجهات هم أشبه بالطيور البحرية المتنوعة، كل فئة على أشكالها تقع، ما يجمع هذه الجلسة ربما لايجمع الأخرى لكن ينطبق عليهم المثل الشعبي: (كلنا عيال اقريه وكلن يعرف أخيه).
ولو أراد العابر أن يدون من كل بحر قطرة، تراثيًا، ثقافيًا، اجتماعيًا، وحتى رياضيًا عن كل ما يمس المكان أن يجالس كل مجموعة على حدة حتمًا سيجد ضالته، وهمسة في أذن العابر إياك أن تتذاكى عليهم فسيفقدونك البوصلة فهم أبناء بحر أبًا عن جد عارفون بخرائط الإبحار وأبعاد ما يرى وما لا يرى، سيسمع منهم معلومات وافرة وحكايات بما لذ وطاب، وكأنه في سفر بحري يطاف به بين متاهات الخلجان وبين مغاصات العجائب وبنادر الغرائب. الناظر للجلسات يظن بأنها وليدة اليوم، هي أقدم من الكورنيش ذاته بعشرات السنين، تجمعات تقادم عهدها موروثة بشكل عفوي لأناس متنفسهم البحر، عشقهم البحر، ملاذهم البحر، برغم المتغير، هم جزء من ذاكرة المكان وانعكاس لما مضى من حقب وأزمان.
كاتب السطور له نصيب من جلسة شمالية للكاتب حسن دعبل وأصحابه. بينما أكبر جلسة تقع بالقرب من كمرك سنابس المهجور تضم أبا فرج القروص وجيرانه، ثمة جلسة تقع أقصى الجنوب، يطلق عليها الشاعر يوسف ابريه تصنيفًا (جماعة الكورنيش) وهم:
1- أبو تيسير الناصري
2- علي حسن المطوع
3- علي آل سعيد
4- عبد الله الكواي
5- عبد العزيز آل طلاق
6- عباس الدولة
7- عنبر الزريقي
8- حبيب إبريه
وعلى مقربة من تلك التجمعات مجالس خاصة داخل المنازل وملاصقة لها، بعضها مشهور وأخرى غارقة في القدم، من ضمنها (جماعة المضوي)، ديوانية تقع خلف مسجد الفتح بالقرب من (مطار الحمير)، وتعريف (المضوي)، هو عبارة عن دار قديمة تضاء ليلًا بلمبة أو فانوس يتخذ منها رجل مهنته استقبال البحارة قبل ذهابهم للبحر وبعد عودتهم منه، يقدم لهم تمرًا وقهوة وشايًا وغليونًا وفي نفس الوقت عارف (بالولمة) -المد والجزر- ليرشد البحارة، لكن مع تبدلات الزمن وأفول الأيام الخوالي العامرة بخيرات البحر، انتهت أهمية الدار، أصبحت (قفرة)، ثم تحولت لديوانية عامرة بالوجوه الطيبة وكأنهم يستحضرون جسات آباهم وأجدادهم، يستنشقون عبق الماضي، حيث تضم أصحاب من الحي الجنوبي وفريق شرق، أطلقوا على أنفسهم (جماعة المضوي) وهم:
1- علي آل إسماعيل
2- مهدي الخليل
3-حسن آل إسماعيل
4- أحمد الصايغ
5-جابر الكواي
6-يوسف آل إسماعيل
7- موسى آل دغام
8- محمد آل طلاق
9- محمد علي إسماعيل
10-حسن العرادي
11-حبيب إبريه
وأيضًا هناك تجمعات أسبوعية مثل مجلس الأستاذ منصور قنمبر حيث يستقبل الأصحاب والجيران مساء يوم الأربعاء والمعروفة بـ(جلسة الخميس) حيث وصل عدد اللقاءات لآخر 93 جلسة، مجلس عامر لم يزل يستقبل جلاسه بالحب والترحاب، ومن ضمنهم:
1-علي رضي ابريه أبو جلال
2-أحمد إبراهيم طلاق أبو وائل
3-عبد الله محمد علي قنمبر أبو حسن
4-علي جاسم آل قنمبر أبو محمد
5-حسين علي محمد آل قنمبر
6-عبد المحسن مرهون البحارنة أبو علي
7-عبد الغفور سلمان العبد الهادي أبو أحمد
8-حبيب محمد علي رمضان أبو محمد
9-محمد علي ربيع أبو عمر
10-حسين آل سالم أبو علي
11-حسين علي شطي أبو علي
12-حبيب محمد علي ابريه أبو حسن
ثلاثة تجمعات تعمدت ذكر أغلب مرتاديها مختومة دائمًا باسم حبيب.
ما حالها اليوم؟ ليس كحالها بالأمس، حيث تمر من يوم الأحد بحالة حداد لفقدها واحدًا من روادها الرئيسين ألا وهو الأستاذ حبيب إبريه.
فارق الخلان والأصحاب، تركهم بين الأنين والنحيب، مصدومين، مذهولين، مفجوعين، رحيل مفاجئ بلا مقدمات فلم يكن ممددًا على فراش المرض ليتهيأوا نفسيًا، بل بعضهم لا يدري بأنه نقل على عجل مساء السبت، ولكن عند تباشير فجر الأحد فارق الحياة. انتشر النبأ والعيون محدقة يغشيها الدمع (انتقل إلى رحمة الله تعالى الحاج المعلم حبيب محمد علي آل إبريه من أهالي سنابس)، هي صيغة الخبر المتوارد، وعند انتشاره خلف موجة حزن تناثرت على جنبات كورنيش سنابس، وساد الأسى تلك الجلسات التي ألفها سنين، خبر قاس، مؤلم على قلوب الأهل والمحبين والمعارف والجيران، ولسان حالهم (بالأمس كان معنا واليوم رحل)! هي الدنيا بين قادم ومرتحل.
حبيب شيعه أحباؤه لمثواه الأخير بين باك ونادب، وسط جنح ظلام الليل وارتعاشات الفقد ولسعات البرد بحسرة عزيز راح، شنفت الآذان أصوات المواليد المتعالية التي خففت وحشة الغياب، دفق الماء على القبر بترداد آهات وداعًا يا حبيب، الرحمة على روحك الوادعة، وحشرك مع من تحب.
التقاط أنفاس حب مرسلة لأحباء المعلم حبيب، الذي غادرهم على عجل، غادرهم صاحب الابتسامة الرقيقة التي لا تفارق محياه، هي الوصل لمن ألفه أو لاقاه طوال حياته.
حبيب شخص تألفه من أول جلسة يحدثك بلطف دون كلفة، خفيض الصوت، هادئ الطبع، خجول النظرات لا يمكن أن يطيل النظر أو يحدق فيك وأنت تتحدث إليه، يخفض عينيه إنصاتًا، يباشرك بالكلام متى ما انتهيت، طبعه التأني والسكون دون جلبة، لين العريكة مجبول عليها، أريحي العشرة والفكاهة ديدنه.
وما يميز شخصيته حسب كلام الأستاذ منصور قنمبر ليس دماثة أخلاقه ولا طبعه الهادئ بل حسه الظريف الممتع في سرد الحكايات والقصص التي صادفها أو حدثت له في البر والبحر، قالها مرة ويعيدها مرات وفي كل مرة يسردها بأسلوب مختلف عما سبق ولا تمل الاستماع منه لبراعته في حبكة القص بروح فكاهية ممتعة بل متجددة.
نفس هذا التوصيف عند جماعة المضوي الذين أطلقوا عليه (فاكهة الجلسة) يتحلقون حواليه كأنه حاوٍ يعلمهم سحر البهجة، حتى قال أحدهم وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة (يوم راح حبيب الجلسة ما تنبغى)! وقيل عنه مفتون بالأدب الروائي ومطلع على أغلب روايات نجيب محفوظ ومحب للغة العربية حيث تخصصه في الكلية المتوسطة.
كاتب السطور لم يكن على علاقة مباشرة بالراحل بخلاف أخيه الشاعر والكاتب يوسف إبريه، طلعات وجلسات وارتحالات ومشاورات وتبادل أفكار وتذوق فنون بشرح وتفصيل، مع حبيب سلام وتحايا بتقدير متبادل حد الاعتزاز بحكم معرفته لصداقتي بأخيه، فقط هي المرة الوحيدة الذي طال الحوار فيها وامتد وذلك في مجلس الأستاذ منصور قنمبر قبل بضعة أشهر أثناء تحضيري للكتابة عن (منارة مسجد شيخ محمد)، وكم أعجبت به أيما إعجاب، لحظئذ قلت في خاطري حبيب لديه مخزون تراثي بحري يجب ألا يفوت.
لكن وألف لكن لا تفيد، قاتل الله التسويف ها قد رحل الرجل عن الدنيا التجأت لأخيه يوسف وهو الأقرب لعلي أظفر بشيء عن سيرته الذاتية، وبالفعل أبان لي شذرات مهمة وومضات قيمة لكنها لا تفي بالمطلوب معتذرًا لي نتيجة فارق السن بينه وبين أخيه، ومؤكدًا أن من عاشروه عن قرب أي مجايليه في ريعان الفتوة والشباب، هم أقدر منه في إبراز شخصيته فرشح لي أسماء، وبالفعل خاطبتهم وكم تلمست الوجع في قلوبهم النابضة بالحزن بشكل طاغ سواء عبر تسجيل صوتي أو كتابة مباشرة.
وها هو لاعب الوسط الأستاذ محمد علي تلاقف في نادي النور بسنابس إبان الجيل الذهبي لكرة القدم خلال عقد السبعينيات الميلادية ماذا قال في حق رفيق الأمس وأيام الصبا: (ماذا أقول عن حبيب وفي القلب لوعات بعد الرحيل! أستاذ حبيب أبو حسن إنسان مبتسم، طيب القلب، ظريف في تعليقاته وقفشاته مع الجميع،لا يزعل أحدًا ولا يزعل منه أحد، نظرًا لصفاء قلبه وبياض سريرته. هو والحب صنوان، يحب العمل، يحب الحركة، يحب الاجتهاد، يحب الطموح.
عرفته منذ طفولته يجوب سواحل البحر، فهو جاره المفضل وعلى سواحله تربى وترعرع، برع في صيد الأسماك سواء في القمبار أو الحداق وغيره. ماهر في صيد الطيور البرية والبحرية فهو يأتي في المقدمة ويشار إليه بالبنان في حسن صنع الشباك والأفخاخ لصيد الطيور الموسمية وقت هجرتها لجزيرة تاروت.
هذا الردح المستمر على الأسياف جعل منه شخصًا رياضيًا سريعًا متوثبًا متحفز ا بقوة عضلية في الألعاب الشعبية مثل (الهول) أو لعب الكرة حتى تكون فريقه المعروف باسم (الصبا) ضمن الحي الجنوبي بسنابس.
فقد لفت الأنظار هذا الشاب بقوته وسرعته من خلال مهاراته في اللعب، وكأنه هو اللاعب المناسب الذي يبحث عنه نادي النور بسنابس، وبعد جهود مقنعة التحق بالنادي مع مجموعة من أصحابه وحل سريعًا لاعبًا أساسيًا وظهيرًا صلبًا في الجهة اليمنى، مغلقًا جميع الأبواب إلى شباك ناديه أمام الخصوم.
التحق بمعهد إعداد المعلمين بالدمام وتخرج معلمًا عام 1395، وعين مدرسًا في مدرسة ابن القيم الابتدائية برحيمة ثم انتقل منها إلى مدرسة محمد بن القاسم الابتدائية بالقديح وبعدها لمدرسة نعيم بن مسعود الابتدائية بالقديح وعين وكيلًا فيها إلى حين تقاعده.
كان محبوبًا من زملائه المعلمين وإدارة المدرسة يأنس الكل إليه، مقصدًا لطلابه، يحل مشكلاتهم ويأمن سرهم.
حبيب عاش حياة شبابية محبوبًا من الجميع، كريم النفس والعطاء، والابتسامة لا تفارقه والمرح طبعه، لا يترك المشي اليومي على كورنيش سنابس، من يمر عليه يحيه بابتسامته المعهودة الظافرة بالحب، ولكن ما كنا ندري ما وراء هذه الابتسامة وماذا يخفي داخله؟
كان حبيب يصارع المرض بصمت حتى أدخل المستشفى العام الماضي وحالته الصحية متدهورة، حتى عافاه الله وعاد وكأنه لم يكن مصابًا بأي شيء، وخلال عدة أشهر بدأ عليه الهزال بشكل واضح وبإلحاح شديد من المحبين أن يذهب ليكشف عن حاله، لكنه يأنف من الذهاب للمستشفيات أو الاقتراب من عتباتها، يرد بابتسامة أموري طيبة.
فجأة صبيحة يوم الأحد أتصفح الجوال وإذا بالخبر الصاعق يزلزلني، عشت لدقائق بصمت مطبق لم أصدق الخبر وكأني في إغفاءة حلم، مات حبيب)! نكفكف الدمع على رحيل الأحبة ونواسي النفس بتذكارهم وإن كان استرجاع شيء من حياتهم متعبًا للقلب، مؤلمًا للنفس خصوصًا بعد أيام قليلات من أوجاع الرحيل، أن تخاطب أحد معارفه بالحديث عنه وهم الأقرب والأصدق ليس بالأمر السهل والدمع لم يجف بعد ومجالس الفاتحة لم تزل قائمة، هذا ما طلبته من الأستاذ الكاتب قاسم الطوال أبو أكرم فماذا أجابني: (عزيزي أبا محمد:
بالعريز عليً أن أعتذر إليك بعدم تمكني من كتابة بعض الأسطر في حق فقيدنا الغالي والعزيز أبي حسن المرحوم الأستاذ حبيب بن محمد آل بريه سوى أنً معرفتي به كزميل ملعب ومهنة ولكن يمكنني أن أدلوَ بدلوي المتواضع جدًا. على مستوى الملعب فهو ابن النادي منذ كان يافعًا شابًا ينطلق كالصاروخ عند تسلمه الكرة ليمررها لزملائه بأريحية، يشارك في صناعة الأهداف وقليلة جدًا كانت أهدافه، صلب الجسم عند الاحتكاك ولا تخونه عضلاته وعظامه وهو يعترك الكرة مع خصومه، أهم ما يميزه بعيدًا عن الملعب أنًه حلو المعشر في جلساته، ودود لدرجة أنك تود أن حديثه لا ينقطع، يثيرك ضحكًا وأنت تستمعه بأحاديثه الفريدة والشيقة وهو يسرد لك قصصه التي لا تخلو من الفكاهة والفطنة مع من يسايرهم في الطريق.
حلو العشرة بشكل فريد ومميز بطرحه لمسألة ما، شعبية كانت أو جدية،لا يستعجل في طلب الإجابة حتى تطلب منه ذلك!!!! رحم الله هذه القامة فجميع من عرفه لا يتخطاه في ممارسة صيد الطيور البرية والبحرية وصيد السمك بالقنبار فهو فيهما أستاذ مميز كبقية أبناء جلدته (الصايغ والمسيري….) المعذرة إليه وإليك ولمحبيه وفاقديه في هذه العجالة والتي لا تفيه حقه. هناك من أقدر مني في ذلك وأعني به الأستاذ عبد الله الكواي رفيق عمره المديد والتي تزيد على عشرات السنين، تحياتي والعذر لكم على التقصير).
يا أبا أكرم أنت كريم بكلمتك المستحقة وألفاظك المعبرة أن تدلني لأخذ كلمة من توأم روحه فهذا الأمر عسير ولا أملك الشجاعة لفعل ذلك، ولم يخب حدسي حين تجرأت نهاية مجلس ثاني يوم في الفاتحة والجميع يهم بالخروج من المجلس وبينما أبو جلال ابريه مسترسلًا في سبك صور الأمس عن ابن عمه، وبجوارنا عبد الله الكواي توجهت له بالسؤال كأني أرتجيه، يا أبا علي هل تأذن لي بكلمة مقتضبة عن عزيزك الغالي أبو حسن؟ تركني وأخذ طرفًا من لفافة ليمسح الدمع الذي سال على خديه، مشى عني يتوكأ عصاه!
صعدت السيارة ومررت بكوررنيش سنابس أتفقد ذلك المكان الذي عادة ألمح فيه حبيبًا جالسًا أو عابرًا الطريق، رأيت طيفه مبتسمًا وتناهى لي صوت خفي، كلنا في هذه الحياة مثل عابر سبيل، سلام على روحك يا حبيب.



