أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

كان الله معنا.. جاء صامتًا ورحل (1)

حكيمة الجنوبي · القطيف اليومالسبت 15 فبراير 2025، 8:19 م
كان الله معنا.. جاء صامتًا ورحل (1)

تختلف ردات فعل الناس وتعاملهم بالمواقف التي يتعرضون لها باختلاف إدراكهم لأفكارهم ومعارفهم، وكذلك التجارب الحياتية والمهارات التي يمتلكونها، ورغم تعدد الحالات التي يتعايشون معها سواء أكانوا أشخاصًا يعرفونهم، أو حكايا عابرة سمعوها برواية من حولهم، لحالات قد يغمرها الفرح، أو يشوبها القلق، والخوف، عند التعرض لموقف مبهج، وحتى الإصابة بحادث أو مرض مفاجئ -لا قدّر الله.

ونحن نعيش أيام شهر فبراير صادفنا يوم الثلاثاء 4 فبراير 2025، فيه تكون ذكرى اليوم العالمي لمرض السرطان، ويوم السبت 15 فبراير 2025م اليوم العالمي لمرضى السرطان الأطفال، حسب ما أقرته منظمة الصحة العالمية، بهدف مكافحة السرطان ورفع الوعي العالمي من مخاطره، وذلك عبر التعريف والتثقيف بطرق الوقاية وكذلك طرق الكشف المبكر للمرض والعلاج منه إعلاميًا وصحيًا. مع اعتبار مرض السرطان أكبر المشكلات الصحية التي تواجه العالم، كما يعتبر أهم أسباب الوفاة على الصعيد العالمي.

المرض الصامت الذي يداهم الجسم على حين غرة، ولا يتكشف بعضه إلا في مراحل متقدمة يدرك منه البعض الاسم، وقد يشعر بعض الأشخاص بالرهبة عند سماع اسمه، عند ذكره أو التلفظ به نجد تسميته بذاك "المرض" مع ما واجهه من تجارب مؤلمة وقف عندها عاجزًا، حيال الفكاك والنجاة منه، مستسلمًا لابتلاء رب العالمين، مع ما يحمل من تجربة فقد على أثرها عزيزًا على قلبه نجم عنها هزة في كيانه وتحولًا جوهريًا في وجدانه النفسي، ومحيطه الأسري، والاجتماعي.

وأنا بعد هذا اليوم أخرج لكم بعضًا من خفايا تجربتي مع ابني المتعافي من مرض اللوكيميا (سرطان الدم) علها تكون مشاطرة للانتصار على هذا المرض، وبداية إلى فتح بصيص أمل للقلوب المتألمة، والأرواح المنهكة على السرير الأبيض.

كانت مسيرة اللقاء مع ألطاف الله رغم ثقلها النفسي، ورحلة لمعرفة وتجربة الحياة بألمها، واختيار معزة الإخوة، وفاء الأهل والأصحاب، من المحيط الأسري والاجتماعي.

حكايتي بدأت معه كانت بعد عدة تجارب في كتابة التغطيات الصحية عن معرض السرطان، وتجارب أشخاص حملوا معاناة المرض وقهره بمواصلة العلاج ولبس جلباب الصحة بعد جلسات طويلة بين مراحله تعددت بين العلاج؛ الدوائي، والجراحي، والكيماوي، والإشعاعي كذلك.

بدأت تجربتها في أواخر شهر ذي القعدة 1445هـ، مع إصابة ولدي محمد بمرض لا نعرف منه إلا الاسم وبعض التفاصيل بملامح مجهولة، حالة من الحيرة في محاولة تقبله كضيف رغم معرفتنا البسيطة عنه، وقتها عادت جميع تفاصيل لذكريات 14 ربيعًا عشتها مع فلذة كبدي تؤكد لي بقلب الأم أني أمتلك جوهرة ثمينة، وهنا وقفت وقفة جادة للجميع وقولي لهم بقلب متألم: محمد مريض سرطان (لوكيميا) وعلينا دعمه والمحافظة عليه بشتى الوسائل، لابد أن يرجع للبيت معافى، بوقفة جماعية من؛ والدين، وأخته وإخوانه، وجميع الأهل والمحبين.

برزت علامات المرض قد تسلل إلى جسده الذي كان يسابق إخوته في الطول والعرض، حيث وجدته ترى يشكو التعب، وإجهادًا من أقل مجهود ونزول في الوزن مع نوبات الصداع، عندها قررت عرضه على طبيب المركز الصحي القريب من منزلنا؛ بغية التأكد من أسباب هذه الأعراض، وبعد خروجنا من المستشفى افتقدته في المشي إذ وجدته جالسًا على قارعة الطريق، قلت له لماذا لا تمشي فالبيت قريب، رد بصوت الألم: أماه اتصلي بأخي أو أبي أنا لا أستطيع المشي من التعب، عندها دون تردد راجعت المركز الصحي، وطلبت علاج لتخفيف الألم لحين أخذ التحاليل واستلام نتائجها.

وعلى الفور طلبت منه الطبيبة إجراء فحص سريع لمستوى السكر في الدم، فكانت النتيجة طبيعية، عندها قررت فنية المختبر أخذ تحليل فحص الهيموجلوبين الذي كشف عن تدني مستواه، وهنا طلبوا تحويله لمستشفى القطيف المركزي بشكل عاجل، وعند دخوله للمستشفى ومع دقة التحليل اتضح أنه يعاني من انخفاض حاد في مستوى الهيموجلوبين، وعدد الصفائح، وكريات الدم البيضاء، وعليه قرر الأطباء ضرورة أخذ خزعة للتأكد من سلامة نخاع العظم ومدى إنتاجه للدم.

في مركزي القطيف كانت حالة من الحيرة؛ ما هو مصير محمد؟ والسبب وراء دخوله المستشفى؟ وكانت الإجابة أخذ تحاليل عامة، إلا أنه بعد الخزعة تغير مسار العلاج فكان لابد من عرض نتائج التحليل والخزعة على استشاري أمراض أورام دم، وهنا كانت الصدمة مع حالة من اليقين التام بأن الرعاية والرحمة الإلهية موجودة، وكذلك الرعاية الطبية متوفرة في البلد.

وأصبح من الضروري تحويله إلى مستشفى آخر يقدم مستوى أعلى من الرعاية التخصصية لمرضى سرطان الدم، فكان الخيار الأول مستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام، إلا أنه رفض بسبب عدم وضوح التحاليل، وتم طلب تحويله لمستشفى الأطفال والولادة ولكن تم رفضه لأن عمره يتجاوز 12 عامًا، وعليه تم طلب تحول لمستشفى الملك فيصل التخصصي ومراكز الأبحاث الذي رد بالموافقة الفورية.

كان صباح يوم عيد الأضحى مع الساعات الأولى لشروق الشمس، خرجنا مودعين القطيف إلى الرياض التي لا نعرف عن مجتمعها إلا الاسم، وبعض الزيارات العابرة لمعرض الكتاب، خرجنا يتقدمنا محمد في سيارة النقل الإسعافي وكأنه يسابق الزمن في البحث عن شيء ضاع منه والبحث عنه في عالم مجهول لا يعلم منه شيئًا.

وصلنا الإسعاف لمستشفى الملك فيصل التخصصي ومراكز الأبحاث الذي كان مبنى منفصلًا ضمن حزمة من المباني الطبية مرتبطين بجسور، دخلنا ومع أول قراءة للسجلات من مركزي القطيف، كان القرار أنه مصاب سرطان ولابد من دخوله لمستشفى ومتابعة العلاج لمدة من ستة إلى سبعة أشهر في العلاج، كل ذلك ومحمد لا يعلم ما يدور حوله، كان كلامنا مع الأطباء تمتمة ومبطنًا بحذر، كيف نخبره أن جسمك الصغير غزاه السرطان؟

لم تمنع جدران غرف المستشفى وصول حديثنا مع الكوادر الطبية إلى محمد، كانت تمرره بين مسامع أذنيه على مهل إلى أن سمعه، وتساءل: أنا مريض سرطان؟ وهنا لم أنكر ذلك له اعترفت له بكل شجاعة: نعم، ونحن هنا معك في بداية معركة الانتصار عليه، أخذ يمطر علينا وابلًا من التساؤلات: هل سأشفى وأرجع البيت والمدرسة والنادي بين أخواني وأصحابي؟ وكيف ستمضي هذه الشهور العجاف؟ وهنا كانت إجابتي بتغريدة إلى رئيس مستشفى الملك فيصل يعلن إمكانية الشفاء من المرض بنسبة 100%، هذا مرض بأمر الله، وعلينا محاربته بعد ثقتنا بالله وفضله، وبركة النبي محمد وآل محمد، والرعاية التي ستقدم لك، كلنا معك سنقف لمساندتك دون كلل، أنت في المكان الصحيح مستشفى من أكبر المستشفيات في المملكة والعالم، لا تخف يا صغيري ستعود لمنزلك معافى.

للحديث بقية!