ممنوع التصوير.. غير قابل للنشر والتّوزيع!

كان يوم جمعة، أوشكت القارئة على البدء في أعمال يوم الجمعة المباركة، وكانت غاية الوجود التّطلع لنداء الله تعالى في بيت من بيوته.
إحدى كوادر المسجد اعترضت بداية الولوج إلى رحاب الله وتحدثت بألم قائلة: ممنوع التّصوير، رجاء حارًا من أخواتي الكريمات عدم التّصوير، والله لقد بتنا نرى أنفسنا في (Snapchat) ونسمع أصواتنا في TikTok.
لنتحاشَ كلّ ما يصرف قلوبنا عن ذكر الله تعالى، نحن هنا في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه لا نطلب سوى قلب يخشع لذكر الله وصوت يصل للسماء.
اختتمت حديثها بدهشة شكّلت ملامح وجهها؛ لأنها في الوقت الذي كانت تتحدث فيه لمحت فتاة صغيرة تلتقط صورة لبعض أرجاء المسجد!!
لماذا ظهر التّصوير كشغفٍ اجتاح جميع المناسبات بعد ما كان مقتصرًا على تخليد الذكرى الجميلة والحدث السعيد في حياتنا؟
هل نشعر بالسعادة عندما ننشر تفاصيل حياتنا اليومية بحذافيرها فيشاركنا أحبابنا الفرح والسرور بينما قد تمتلئ بعض الصدور حنقًا على ما لدينا؟
أما إذا أردنا فكرًا راقيًا يخاطب العقول الراقية فسوف تظهر لنا نظرية (السعادة في ظلال من تُحب) وقد تسألني أيّها القارئ هل تتهكمين؟ غير أنّني سأُجيب بلسان قومي فأقول: إنّنا نشارك الآخرين تجاربنا، وأفكارنا، وما يقودنا لتحقيق أهدافنا وليس لنا سبيل إلّا نشر حكايا النجاح والإنجاز، وقد نشاركهم اللحظات الجميلة بنشر تفاصيل حياتنا لأننا نفتقد من يشاركنا هذا الفرح ونتمنّى أن يشاركنا الجميع لنتخلص من شعور الوحدة.
غير أن هناك أمورًا يجب ألا تتخطى عتبة منازلنا وأهمها حياتنا مع الله تعالى فهي غير قابلة للنشر والتّوزيع.. فالإخلاص مع النّفس جسرٌ يوصلنا نحو ملكوت الله تعالى لذلك يجب أن يكون محكمَ البناءِ لا يتخلله تقييم النّاس لنا أو نشر تفاصيل خاصّة تُحكى عند مفترق الطرق.
إنّ غاية هذه الحياة الحقيقية هي السعادة ولن تتحقق هذه السعادة إلا عندما نقاوم الملذّات بشتّى أنواعها ونغرف من الطاعات ما نُقوّم به اعوجاج طرقنا ونسلك الطّرق المستقيمة. قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».
هو ذاته الإيمان النّقيّ الذي يدغدغ الروح فيمنعنا من تجاوز هذه المشاعر المُقدّسة والإقبال على الله تعالى دون إعلان أو إشهار، فتحلّق الأرواح لبارئها دون اكتراثٍ بمن حولها وتصبح الأعمال العباديّة قيد الصحف لا تتعداها (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)( غافر: 14).
وقبل أن نسأل عن رأي النّاس فيما نقوم به يجب أن نعرض ما نقوم به على عقولنا عندها سوف تهمس العقول قائلة: إنّ غثّهم أكثر من سمينهم!!
ثمّ دعونا نبحث عن صوت جميل يلذّ لنا سماعه يبحث عنّا يهمس هو الآخر في عقولنا ويقول: إن صدورنا لن تضيق بذم ولن تنتفخ بمدح. فعندما تكون الحياة ذات معنى عميق نعيشها بجميع تفاصيلها، نستمتع بجميع أحداثها ونكتشف لذّتها، ونرفض أن يُعكر صفونا أحدٌ.



