أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

رحلة البحث عن الذات في عالمٍ مزيف

عماد آل عبيدان · القطيف اليومالخميس 20 فبراير 2025، 10:14 ص
رحلة البحث عن الذات في عالمٍ مزيف

في هذا الزمن الذي تناثرت فيه خيوط الحقيقة بين الأيدي، أضحى الإنسان يعاني من غربةٍ ليست في المكان، بل في ذاته. لقد بات عاجزًا عن أن يرى نفسه في مرآةٍ صافية، مرآةٍ لا تزيّنها أقنعةٌ ولا تضفي عليها خيالاتٍ زائفة. أصبح البحث عن الذات مغامرةً في متاهةٍ واسعة، يقوده فيها سرابٌ يحيك له صورًا مغايرة لما هو عليه. ترى هل هو فاعل في هذا الوجود أم مجرد مشهد عابر يتنقل بين أدوارٍ لا تناسبه، ولا تعكس ما في أعماقه؟

لقد أسهمت الفوضى المعاصرة في نشر الارتباك بين الناس، وصاروا يبحثون عن أشباهٍ لصورهم في عالمٍ مشوّه، مُصطنع. بدلًا من أن ينبثق الجمال من أعماق الروح ليمسّ الكون، أصبحنا اليوم نسعى لافتعال الجمال من خلال واجهاتٍ خاوية. فما عاد الوجدان هو مقياس الجمال، بل أضحت الواجهات الضيقة هي معيار الفحص. كلما ارتدى الناس أقنعةً جديدة، زعموا أنهم يقتربون من المثالية، ولو كان ذلك على حساب نقائهم الداخلي.

ومع ذلك، يظل السؤال نفسه يُطاردنا: لماذا نفرّ من حقيقتنا، ونحاكي الآخرين في أدوارٍ زائفة؟ لماذا نتحمل عبء التصنّع والتجميل الخارجي في مناسباتٍ تمسّ جوهر الحياة نفسها؟ في حفلات الأفراح، والمناسبات الدينية، والعزاءات التي من المفترض أن تكون وقتًا للتأمل والمواساة، نجد أن الأقنعة قد أضحت هي السمة الغالبة. ماذا بقي من الجمال حين يلبس الناس أدوارًا في مشهدٍ مفجع، ويظنون أن تغيير ملامحهم الخارجية سيخفف عنهم حمل الحقيقة؟

الأكثر إيلامًا أن تجد من بين هؤلاء الممثلين من يتقمص دور المعزي في مراسم العزاء، وهو الذي كان من أشد المتسببين في ألم الراحل في حياته. فما هي تلك الأقنعة التي تحوّل الناس إلى مجرد تجسيدٍ لأدوارٍ قد تكون بعيدة عن طبيعتهم وأرواحهم؟ وما الذي يجبرهم على أن يتخفّوا وراء زيفٍ يبدو للبعض مرهمًا لآلامهم، رغم أنه لا يخفف شيئًا؟

الإجابة تكمن في معادلة صعبة، حيث ينقلب الفهم إلى تزييفٍ، وتصبح الحقيقة عبئًا يصعب تحمله. يكمن السر في أننا في خضم مجتمعٍ يعاني من فراغٍ داخلي، يبحث فيه كل فرد عن صورةٍ مزخرفة يعكس بها نفسه ليشعر بالقبول. أصبحنا نعيش في عالمٍ يفضل التظاهر على الصدق، ويشيد بالغش على الوضوح. إذا نظرنا إلى هذه الظاهرة بتمعّن، سنجد أن كل واحد من هؤلاء “الممثلين” يتوسل إلى صورٍ ناتجة عن التملق والهروب من الذات الحقيقية.

وأكبر المفارقات تكمن في أن هذه الأقنعة التي نرتديها، وإن كانت قد تتيح لنا بعض الراحة في اللحظات الآنية، إلا أنها تحرمنا من نعمة التواضع الداخلي والصدق مع أنفسنا. نُخدع في ظلال الصور التي صنعناها، وتغيب عنا الحقيقة التي تسكن في أعماقنا. إن التمادي في تقديم أنفسنا في أدوارٍ زائفة لا يؤدي إلى السكينة، بل إلى مزيدٍ من الضياع.

حينما نتوقف عن ارتداء الأقنعة، وحينما نتجرأ على أن نكون كما نحن، حينها فقط سنكتشف الجمال الحقيقي الذي ينبع من داخلنا. إن سحر الحياة يكمن في القدرة على تقبل أنفسنا كما نحن، بكل ما تحمله هذه النفس من عيوب ومزايا، وحينها فقط سيبدأ الجمال في الظهور كقوة نابعة من الصفاء الداخلي.

الواقع الملموس أن الجمال لا يُستعار من صور الآخرين، ولا يُلبس كالعباءة في مناسبات الحياة والموت. الجمال يكمن في أن نكون صادقين مع أنفسنا، وفي أن نعيش الحياة في أبهى صورها، دون الحاجة إلى التلاعب أو التظاهر. فالجمال الحقيقي هو في اللحظات التي نعيشها ونحن نواجه أنفسنا بلا تزييف، في لحظاتٍ نغمس فيها في صدقنا، ونرتدي هويتنا بكل شجاعة.