الشوط الأخير

تمر على المؤمن محطات ومراحل في كل عام كأنه في رحلة يحتاج أن يتزود فيها بما يجعل رحلته سعيدة وهانئة، فلو أراد الخروج لسفر أو رحلة لابد من التزود بما يجعل رحلته سالمة وممتعة من خلال تجهيز الاستعدادات المطلوبة له.
فكيف بحاله وهو في حالة سفر مع الله عز وجل فلابد أن يستثمر كل المحطات التي يمر بها في حياته، وأجمل المحطات هي المواسم العبادية التي تقربه من الله عز وجل وتقوي علاقته بخالقه وتجعله يعيش حالة من الأمن في رحاب الله.
ومن هذه المواسم شهر شعبان الذي ينسب لأعظم الخلق رسولنا الكريم (ص) حيث يقول "شعبان شهري من صامَ يوماً من شهري وجبت له الجنّة"، فإذا كان صيام يوم واحد بنية صادقة تقربًا لله تعالى وحبًا لرسول الله موجبًا لدخول الجنة، فكيف باستثماره استثمارًا حقيقيًا واغتنام الفرصة لإحيائه بالعبادة الصادقة، هذا الشهر العظيم الذي هو تهيئة روحية للإقبال على شهر الله الكريم شهر التوبة والغفران شهر رمضان.
فمن أراد أن ينجح في الامتحان المعد له من قبل رب الجلالة وهو الولوج لشهر المغفرة والتوبة بنجاح لابد أن يستعد له بالاستعانة بشهر رسول الله (ص)، كما هو الطالب في الدنيا كيف يتهيأ نفسيًا وروحيًا لدخول اختباراته المدرسية من خلال المذاكرة والاهتمام بواجباته، فكيف إذا كان امتحانًا ربانيًا وعلينا واجبات لابد من تأديتها بالشكل المطلوب؛ لنستطيع أن نحط رحالنا في ساحة القدس الإلهية بنجاح يرضي الله عز وجل، وليس فقط مجرد اجتياز هذه المرحلة أو المحطة كأي محطة نمر عليها مرور الكرام دون أن نستشعر أهميتها.
شهر شعبان فرصة عظيمة للمؤمن لمراجعة ذاته والوقوف على أخطائه والنواقص التي يعيشها من ناحية دينية، فيتقرب إلى الله بصنوف العبادات طالبًا التوبة النصوحة معترفًا ومقرًا بالتقصير في حق الله وحق نفسه، ومتى ما كان صادقًا في نيته تفتّحت له مداركه وانبسطت له مفاتيح معرفية وسلوكية وصفت نيته مع الله عز وجل، فيعود بقلبٍ صافٍ خالٍ من كل ما يدنس طهره، ويدخل بروحه في حالة من التنقية والتصفية الروحية من الشوائب التي تكدر الصفاء والشفافية والتركيز عنده، من خلال أداء الأعمال العبادية كالصلاة والأذكار وصنوف القربات الأخرى من الصدقة وصلة الأرحام ومداراة إخوانه المؤمنين ممن يحتاجون له، فهو يغتنم ساعات يومه في مرضاة الله من خلال تخصيص أوقات للعبادة والتقرب لله تعالى، فيكون سببًا لتحفيز همته للاستعداد لشهر رمضان الكريم بشكل أفضل، وعدم إضاعة أوقاته فيما يبعده عن حضرة الكرم الرباني.
وبالعكس فهناك من يمر عليه هذا الشهر العظيم دون اغتنام أيامه ولياليه بالتعبد والتقرب بمختلف العبادات من الصلوات المستحبة وقراءة القرآن والتدبر في آياته والأذكار المختلفة والاستغفار والتسبيحات، فيخرج صفر اليدين ويقبل على شهر الله خالي الوفاض مثقلًا بالذنوب والمعاصي؛ لأنه لم يقوّ ذاته بالمتابعة والمحاسبة والحذر الشديد من مكر الشيطان، فيكون كما الطالب في اختبارات المدرسة ترك نفسه للعب واللهو وأقبل على اختباراته خائبًا وخسر سنته الدراسية، كذا هو الإنسان بين يدي الله أعطاه الكثير من الفرص والمحطات للتزود واغتنام ما فيها من خيرات إلا أنه كان غافلًا لاهيًا بملذات الدنيا التي تحجبه عن نعيم الله عز وجل.
فيا إخوتي وأخواتي ما بقي من هذا الشهر إلا القليل لنفتح باب التوبة مع الله ونعود إليه بنية صافية وتوبة صادقة، ونقول لله كما قال أمامنا الرضا(ع): (اللهم إن لم تكن غفرت لنا فيما مضى من شعبان فاغفر لنا فيما بقي منه).



