شهر رمضان.. الغائب الحاضر في أرواحنا المنطفئة

قراءة فلسفية في اغتراب الشهر الكريم بين استهلاك الزمن وتآكل الروح
شهر رمضان، شهرُ الله الذي كان يومًا موسم الأرواح، ومأدبة القلوب، وعرس العودة إلى الله. اليوم، يقف شهر رمضانُ عند أبوابنا غريبًا، ويجول بيننا مستوحشًا، يطرقُ القلوب فلا تفتح، ويهتفُ بالعقول فلا تصغي، حتى أصبح رمضان عند كثيرٍ من الناس صورةً باهتةً على الشاشة، أو تهنئةً جوفاء في رسالةٍ عابرة، أو مائدةً ثقيلةً ملأى بألوان الطعام وأصناف التخمة. رمضان الذي أُنزل فيه القرآن ليبعث النور في الظلمات، أصبح محاصرًا بشاشاتٍ تملأ الظلام بعبثٍ يُنسي القلوب نورها الحقيقيّ.
ما الذي جرى؟ ما الذي جعل شهر الله الأعظم يُهانُ بهذه الصورة؟ ما الذي جعل هذا الموسم الرباني يتحول إلى مهرجانٍ استهلاكيّ، ومسلسلٍ طويلٍ من الغفلة المتواصلة؟ وكيف تفككت تلك العلاقة القدسية بين الإنسان وشهر رمضان، بين الروح والمغفرة، بين القلب والمحراب؟
غياب المعنى وسطوة السطح
شهر رمضان ليس شهرًا في التقويم، بل فكرةٌ وجوديةٌ عميقة. هو إعادة تعريف للإنسان، هو موسم التذكير الأول بأننا لسنا مجرد أجسادٍ تأكل وتشرب، بل أرواحٌ خُلقت للسفر إلى الله. لكن في عصر الحداثة المتوحشة، صار الإنسانُ مجرّد جسدٍ يُساقُ إلى الأسواق، ورقمٍ في اقتصاديات الإعلان، وهدفٍ لصناعة المحتوى الفارغ. لقد سُحبت الروح من صُلب التجربة الرمضانية، حتى صار الناس يصومون عن الطعام، ولا يصومون عن العبث. صاروا يُمسكون عن الشراب، ولا يُمسكون عن اللهو.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183)، فأين التقوى وقد اختُزل الشهرُ في مسابقات الطبخ وأمسيات الضحك الرخيص؟
حين تستهلكك الدنيا لا يبقى منك شيءٌ لله
كان شهر رمضان زمنًا لله، فإذا به يُختطف شيئًا فشيئًا إلى أسواق الدنيا. يبدأ قبل هلاله بإعلاناتٍ للموائد والولائم، ومسابقاتٍ على الأزياء والعروض الرمضانية، حتى صار “شهر رمضان السوق” هو شهر رمضان الحقيقي عند الناس. صار الشهر موسم جوعٍ نهاريٍّ وشراهةٍ ليلية، موسمَ نومٍ ثقيلٍ عن القرآن، وصحوٍ مستمرٍّ على التفاهة.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “رُبَّ صائمٍ حظه من صيامه الجوع والعطش” (سنن ابن ماجة).
فكم منّا اليوم يصوم ليُصافح الله؟ وكم يصوم ليُرضي شهوة الصراع مع الميزان بعد الإفطار؟
صناعة التفاهة.. وسرقة الزمن الرمضاني
في مواسم رمضان القديمة، كان الليلُ محرابًا، والسَحرُ مناجاة، واليوم صار الليل شاشةً تُغرق الروح في مستنقع الضحك الساذج، والسَحر موعدًا لتصفّح الهواتف، لا لطرق أبواب السماء. الإعلام الحديث أصبح وحشًا يلتهم ساعات الشهر المبارك، يُلقي للعقول فُتات المسلسلات والبرامج السطحية، ثم يُلقّن الناس أن هذا هو شهر رمضان.
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): “إنّ للهِ في أيّامِ دهركم نفحاتٍ، ألا فتعرضوا لها” (المعجم الكبير للطبراني). فكيف يتعرضُ قلبٌ للنفحات وقد أغلقتهُ المسلسلات، وألهتهُ المسابقات؟
الهروب من مواجهة الذات
شهر رمضان في جوهره مرآةٌ تُجبر الإنسان على مواجهة نفسه. صومُ الجوارحِ صعبٌ، لكن صوم القلب عن شهواته أعسر. في زحام الدنيا، يخاف الإنسان أن يجلس مع ذاته عاريًا أمام الله، فيلوذ بالضجيج ليهرب من تلك اللحظة الفاضحة.
قال الله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس: 7-10).
وفي شهر رمضان يُفتح باب تزكية النفس، فلماذا اختار الناس دسّها في أوحال التسوّق والترف؟
التهنئة السريعة بدل التوبة العميقة
تحوّلت علاقة الناس بشهر رمضان إلى علاقةٍ إعلامية، رسائل جوّالٍ سريعة، تهنئة خالية من الروح، وألسنةٌ تُبارك الشهر، وقلوبٌ مغلقةٌ دونه. شهر رمضانُ الذي جاء ليُغيّر مصير الإنسان، أصبح طقسًا اجتماعيًا أقرب للمجاملة منه للإيمان.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “أتاكم رمضانُ شهرُ بركة، يُغشيكم الله فيه، فيُنزلُ الرحمة، ويُحطّ الخطايا، ويستجيبُ الدعاء” (المعجم الأوسط للطبراني). فهل يستجيبُ الله دعوةَ قلبٍ لم يُقدّم لله في شهر رمضان إلا رسائل واتساب؟
متى نعود؟
نعودُ يوم نكسرُ الأقفال عن قلوبنا، ونطردُ الدنيا من محراب الشهر الكريم. نعودُ يوم نُدرك أن شهر رمضان ليس موسمًا للتخمة والتسلية، بل موسم للحشرجة والبكاء والتطهّر. نعودُ يوم نتوبُ إلى الله توبةً لا تحكمها ساعات الإفطار، ولا تقيّدها مسلسلاتُ الليل.
قال الله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: 31). ولم يكن شهر رمضان إلا بابًا واسعًا لهذه التوبة.
شهر رمضان ليس ضيفًا.. شهر رمضان ولادةٌ جديدة
شهر رمضان ليس زائرًا يُطرق الباب كل عام، بل هو ميلادٌ يُعرض علينا كل عام. إمّا أن نُولد فيه من جديد، أو نموتُ في الغفلة ألف مرة. شهر رمضان ليس دعوةً عابرة، بل هو آخرُ نداءٍ قد يسمعه القلبُ قبل أن يضيع للأبد.
قال الله تعالى: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة: 185)، فمن شهد قلبه رمضان، شهد الله. ومن غاب قلبه، فليصم جسده ولا ينتظر شيئًا.
يا أيها القلب. عُد
يا أيها القلب. هذا شهر رمضانك. فلا تسلّم مفتاحه للضجيج. عُد إلى المحراب قبل أن يُغلق. عُد إلى القرآن قبل أن يُطوى في النسيان. عُد إلى الله. قبل أن يُقال: فات الأوان.



