الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الإمام علي (ع)

هلال الوحيد · القطيف اليومالأربعاء 19 مارس 2025، 10:59 م
الإمام علي (ع)

هل تتخيل سيدي القارئ أو القارئة أنه بعد المعارك التي خاض غمارها الإمام علي -عليه السلام- يموت بغير السيف؟ أن يموت في فراشه مثلًا! هو الذي أعطى للسيف معنًى، أخبرني كيف يموت؟

يا سماءُ اشهَدِي ويَا أرضُ قَرِّي واخشَعِي إنَني ذَكَرتُ عَليِّاً

.. بولس سلامة..

شيئان لطالما حملهمَا الإمام علي -عليه السلام- السيف والجراب. حمل السيف في الحرب والجرابَ في الليل يحمل فيه زاد اليتامى والمساكين. يحمحم فرسه في الحرب وهو يقول:
بازل عامين حديث سني * سنحنح الليل كأني جني - لمثل هذا ولدتني أمي

قيل له: لم لا تشتري فرسًا عتيقَا؟ قال: لا حاجة لي فيه، فأنا لا أفر ممّن كرّ علي، ولا أكرّ على من فرّ مني.
أيّ يوميَّ من الموت أفِرّ * أيومَ لم يُقدر أم يومَ قُدِر
يوم ما قُدّر لا أخشَى الرَّدى * وإذا قُدّر لم يُغنِ الحَذَر

جاء في بعض كلامه عليه السلام: لقد قالت قريش إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب لله أبوهم وهل أحد منهم أشدّ لها مراسًا وأقدم فيها مقامًا مني لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد ذرفت على الستين. يكتب -عليه السلام- إلى عثمان بن حنيف: لو تظاهرت العربُ على قتالي لما وليت عنها.

في السلم يبكي ويقول:
ما إِن تَأَوَّهتَ في شَيءٍ رُزِئتَ بِهِ
كَما تَأَوَّهتَ لِلأَطفالِ في الصِّغَرِ
قَد ماتَ والِدُهُم مِن كانَ يَكفُلُهُم
في النائِباتِ وَفي الأَسفارِ وَالحَضَرِ

تذكر كتب السير أنه نظر -عليه السلام- إلى امرأة على كتفها قربة ماء، فأخذ منها القربة فحملها إلى موضعها، وسألها عن حالها فقالت: بعث علي بن أبي طالب صاحبي إلى بعض الثغور فقتل، وترك علي صبيانًا يتامى، وليس عندي شيء، فقد ألجأتني الضرورة إلى خدمة الناس، فانصرف وبات ليلته قلقًا، فلما أصبح حمل زنبيلًا فيه طعام، فقال بعضهم: أعطني أحمله عنك، فقال: من يحمل وزري عني يوم القيامة؟ فأتى وقرع الباب، فقالت: من هذا؟ قال: أنا ذلك العبد الذي حمل معك القربة، فافتحي فإن معي شيئًا للصبيان، فقالت: رضي الله عنك وحكم بيني وبين علي بن أبي طالب، فدخل وقال: إني أحببتُ اكتساب الثواب، فاختاري بين أن تعجنين وتخبزين وبين أن تعللين الصبيان لأخبز أنا، فقالت: أنا بالخبز أبصر وعليه أقدر، ولكن شأنك والصبيان، فعلّلهم حتى أفرغ من الخبز.

عمدت المرأة إلى الدقيق فعجنته، وعمد علي -عليه السلام- إلى اللحم فطبخه، وجعل يلقم الصبيانَ من اللحم والتمر وغيره، فكلما ناول الصبيان من ذلك شيئًا قال له: يا بنيّ اجعل علي بن أبي طالب في حلّ مما أمر في أمرك، فلما اختمر العجين قالت: يا عبد الله أَسجر التنور فبادر لسجره فلما أشعله ولفح في وجهه جعل يقول: ذق يا علي هذا جزاء من ضيع الأراملَ واليتامى، فرأته امرأةٌ تعرفه فقالت: ويحكِ هذا أمير المؤمنين، فبادرت المرأة وهي تقول: واحيائي منك يا أمير المؤمنين، فقال: بل واحيائي منكِ يا أمة الله فيما قصرت في أمرك.

رقته في البكاء في المحراب، في العطف على المحتاجين والمعوزين، في شعره وأدبه، في بلاغته وحكمته، في زهده وورعه، في قضائه وعدله. حمل السيف شابًّا في معارك الإسلام وحمل وسامًا من الجراحات الغائرة حتى غدر به سيف عبد الرحمن بن ملجم ليل التاسع عشر من شهر رمضان سنة 40 للهجرة في محراب الصلاة قبيل انبلاج يوم صيام جديد.

لا شكّ أن في هذين الوجهين، الرقة والصلابة، قيمة ذات شأن إذا استطاع الإنسان أن يطوعهمَا في خدمة الدين والشأن العام وللإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- المقدرة على المشي بسلاسة بين هذين الخطين، الصلابة في الحقّ والرأفة بالضعفاء والمساكين. أمران لا يمكن الاستفاضة فيهما في مقالة من كلمات معدودات ومن يريد الاستزادة يمكنه تتبع المصادر بسهولة ويسر.