ليلة من سهرات «ملالي» تاروت أيام زمان في شهر رمضان!

أبدأ هذه الخاطرة بشكر الأستاذين الفاضلين؛ الخطيب المفوّه حسين عبد الله الفضل والخطيب الفذّ محمد خليل أبو زيد. الأستاذ الخطيب الفضل عبر جلسة أصدقاء والأستاذ أبو زيد عبر رسالة تسجيل صوتي.
لأن آفة التدوين النسيان علم الله أنني ترددت كثيرًا في تدوين هذه الخاطرة حيث إنها تخص أناسًا بعضهم انتقل إلى جوار ربه ولا أعلم إن كان يسمح لي أن أذكره أم لا! على كل حال هي ذكريات جميلة تخص ثلة من ملالي جزيرة تاروت تميزوا في زمنهم برصانة الخطابة وذلك يعود لأسباب تجد بعضها بين ثنايا السطور التالية. ترددي يعود لأن الصور والأسماء والأحداث تختفي مهما قويت الذاكرة بعد أكثر من خمسين سنة، بعد عام 1976م لم أعد أحضر هذه الجلسات الرمضانية ولا أعرف إذا بقيت بعد ذلك العام أم أنها توقفت!
الْمُلَّا في المصطلح القطيفي وجمعه "مَلَالِي" كلمة تطلق على من لديه منسوب مرتفع من الثقافة العامة والدينية، وقد يكون خريج مدرسة دينية أو أكاديمية، أو يجمع بين الاثنين. المنسوب المعرفي المرتفع ضروري لأنه يؤهل "الملا" أو "الخطيب" لإلقاء محاضرات ثقافية ودينية في شهر رمضان المبارك وغيره من الأشهر والأيام. يستخدم هذا الوصف في مناطق مثل القطيف والأحساء والبحرين والكويت والعراق ودول أخرى.
ملا عبد الله المبشر .. توفي
ملا عبد الجليل مرهون الماء .. توفي 1425 هجرية
ملا عبد الرسول عبد الكاظم محمد البصارة .. توفي 4 ربيع الأول 1433 هجرية
ملا سعيد عيسى إبراهيم آل بدر .. توفي
ملا محمد علي المسيري .. توفي 23 شوال 1441 هجرية
ملا خليل إبراهيم أبو زيد .. توفي 12 جمادى الأولى 1437 هجرية
ملا أحمد حسن الوحيد .. توفي 29 شوال 1445 هجرية
ملا أحمد حسن العسكري .. موجود
ملا حسين عبد الله الفضل .. موجود
كانوا يسهرون بعد انتهاء مجالس الخطابة حتى الوقت الذي يطرق المسحراتي الباب مناديًا بالسحور. في تلك الفترة لم تكن الشوارع والطرقات مضاءة، والناس لم يكونوا يسهرون حتى وقت متأخر. الجلسة تنتقل من بيت لآخر كل سنة. لم أشهد الجلسات في بيت ملا سعيد البدر أو ملا أحمد العسكري أو ملا عبد الله المبشر، ربما لعدم وجود مجلس يتسع للحضور. كانت البدايات على ضوء ما اصطلح عليه "اتريك"؛ شعلة إضاءة من الكيروسين، قبل دخول الكهرباء النظامية.
الغرض من الجلسة مطالعة كتب، وحالة إنسانية طبيعية جدًّا أن يكونوا أصدقاء، جمعتهم مهنة واحدة، وحالة ثقافية واحدة، أن يأنس بعضهم للآخر، فنحن نرى ذلك في حياتنا اليومية في أصحاب مختلف المهن.
كانوا بمثابة منوِّرين في زمن لا توجد فيه وسائل اتصال ولا مكاتب بيع الكتب، بذلوا جهودًا كبيرة للحصول على الكتب وتعبوا في حفظ القرآن الكريم والحديث والقصائد الرصينة. لم يعرفوا ما نشهده الآن من ظاهرة القراءة على المنبر مباشرة من الهواتف الذكية.
أما في غير شهر رمضان المبارك فرأيت جلسة الملا أحمد العسكري والأخ الملا أحمد الوحيد في بيتنا -في دشة تاروت- غالبًا ما تنتهي بسباحة طويلة مع الأصدقاء في حمام تاروت حتى وقت متأخر وتبضع من بقالة المرحوم سعيد الصفار الذي كان يوفر بضاعة متميزة في وقتها، يشتريها من "كانتين" شركة أرامكو.
فرصة أن أذكر بعض الجلاس، منهم المرحوم أحمد ضريف، والمرحوم علي غنام، والمرحوم عبد العزيز (عبد الرسول) عبد الله التاروتي، والمرحوم الأستاذ علي عبد الله معيلو والأستاذ أحمد أيوب أبو زيد، وأن أتذكر زوجاتهم اللاتي رحلنَ عن الدنيا، خصوصًا المرحومة زوجة الملا محمد المسيري فاطمة منصور المشيقري (أم جعفر) التي طالما نادتني لجلب القهوة والشاي إلى مجلس بيتهم الذي كان يشبه جؤجؤ سفينة في دشة جزيرة تاروت!
منسوب الثقافة: الثقافة مثل ماء مصبوب، يجري من الأعلى للأسفل، لا بد لمن يريد أن يكون مُثقِّفا لغيره أن تكون ثقافته أعلى من منسوب المجتمع. كان المجتمع أبناء الحي أو القرية والآن صار كل الناس.
أدوات الخطابة: لا يزال الكتاب الموثوق الأداة الوحيدة التي تصنع الخطيب. اتسع الحضور واتسع معه الكتاب. لم يعد ما يكتبه الشيخ ابن بيئتي بل كل كتابًا نافعًا يُكتب وينشر.
العصامية: يمكنني أن آخذ من فلان وعلان وأقلد فلانًا وعلانًّا أو أن أشق لي طريقًا وسط زحمة وكثافة عالية من الطامحين في مهنة واحدة.
التميّز بين الشدة والرخاء:
شتان ما يومي على كورها * ويوم حيانَ أخي جابرِ
شتان بين من يتميز وهو سليم معافى في جميع أحواله وبين من حرمه الله من آلة البصر. شتان بين من يتميز في زمن الرخاء والرفاهية وبين من يتميز في زمن الفقر والفاقة.
الأزمنة ثلاثة؛ ماضٍ عشناه وحاضر نحن فيه ومستقبل لا يعلمه إلا الله. علمنا بالماضي يجعلنا نتمنى عودته وتسميته بالزمن "الجميل" على ما فيه من متاعب ومشاق، ولو عاد كما هو لما أحببناه.
ترحموا على من مضى منهم وادعوا لمن بقي منهم بالعافية وطول العمر، وإذا زدتُ أو أَنقصتُ أو أخطأتُ فذلك سهو عن غير قصدٍ مني!



