نشرة «حديث الدورة» في أم الحمام.. ذاكرة من ذهب تُعيدنا إلى ملاعب رمضان قبل 35 عامًا

في زمنٍ سابقٍ للإعلام الرقمي، حين كانت المعلومة تُكتب يدويًا أو بطابعة ميكانيكية وتُوزّع من يدٍ إلى يد، برزت في بلدة أم الحمام بمحافظة القطيف تجربة إعلامية محلية فريدة تجسدت في نشرة دورية متعددة تحمل اسم «حديث الدورة»، لنقل أخبار إحدى الفعاليات الرياضية بروحٍ تطوعية شغوفة.
ويعود تاريخ النشرة الظاهرة في الصورة إلى يوم الجمعة 11 رمضان 1410هـ (6 أبريل 1990م)، أي قبل أكثر من 35 عامًا، وهي تقدم نموذجًا نادرًا للإعلام الأهلي الذي انطلق من قلب المجتمع، وتحديدًا من الملاعب الترابية.
شاهد على زمن ومجتمع
وتحمل النشرة في طيّاتها تغطية تفصيلية لمباراة رياضية جمعت فريق «أم الحمام» بفريق «الزهور»، ضمن منافسات دورة رمضانية لكرة القدم، بأسلوب تحليلي مميز، فيه من الدقة والانفعال الرياضي والتشويق الصحفي، ما يضعها في مصاف التغطيات الاحترافية، رغم إمكانات الطباعة البسيطة آنذاك.
واستخدمت النشرة لغة صحفية لافتة، وتفاصيل فنية دقيقة، من نوعية الأهداف، وتوقيت التسجيل، وأداء اللاعبين، مثل: «الهدف الأول لأم الحمام جاء في بداية الشوط الثاني»، و«الزهور يعود بهدف التعادل بعد 4 دقائق»، ما يعكس شغفًا إعلاميًا ورياضيًا كبيرًا لدى الفريق الصحفي.
تقييم فني وجماهيري مبكر
اللافت أن النشرة لم تكتفِ بسرد تفاصيل المباراة، بل أفردت في نهايتها فقرة بعنوان «من المباراة»، قدمت من خلالها ملاحظات تحليلية دقيقة، تكشف عن وعي رياضي عميق. حيث أشادت بأداء اللاعب توفيق درويش (رقم 10) من فريق الزهور، الذي «شدّ انتباه الجمهور»، إلى جانب اللاعب سلمان أبو داوود من فريق أم الحمام الذي تألق بتحركاته الفنية اللافتة.
كما أشار التقرير إلى أن فريق الزهور يُبشّر بمستقبل واعد، لكنه بحاجة إلى مزيد من الخبرة، في تقييم فني يُعبّر عن حرصٍ على دعم الفرق الصاعدة وتحفيزها.
ومن زاوية التنظيم، أشادت النشرة بجهود اللجنة التنظيمية والكشافة في حسن تصريف الجمهور بعد نهاية اللقاء، كما أثنت على جماهير الفريقين التي كانت مثالية في التشجيع والسلوك العام، وهي ملاحظة تعكس وعيًا بضرورة الإشادة بالسلوك الحضاري كجزء من نجاح الفعالية.
أسماء صنعت الفكرة
وتكوّنت أسرة تحرير النشرة من نخبة من شباب بلدة أم الحمام الذين حملوا على عاتقهم مهمة التوثيق الرياضي والمجتمعي، وهم: إبراهيم الشيخ، جعفر أمان، محمد إسماعيل، مهدي إبريق، مهدي شنر. وقد أسّس هؤلاء الشباب تجربة إعلامية فريدة من نوعها، اعتمدت على الجهد الذاتي، والعمل الجماعي، والشغف المحلي، دون دعم تقني أو إمكانات مادية.
من النشرة إلى الوثيقة
اليوم، بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود ونصف، لا تُعد هذه النشرة مجرد ورقة قديمة، بل هي وثيقة مجتمعية توثق لحظة من التاريخ المحلي، وتُظهر كيف كانت روح المبادرة، والعمل التطوعي، والانتماء للمكان، تصنع إعلامًا حيًا نابضًا من قلب الشارع والملعب والمجلس.
استدعاء الذاكرة الملهمة
إن ظهور هذه النشرة القديمة يعيد التذكير بأهمية توثيق الذاكرة المحلية، ويحمل دعوة مفتوحة لأرشفة جهود الأجيال السابقة، التي كتبت بوسائل بسيطة، لكنها أرّخت لزمن كامل من الحراك الثقافي والرياضي والاجتماعي.
وفي أم الحمام، حيث تشكّلت هذه التجربة، ما زالت جذوة المبادرة حيّة، والإعلام المجتمعي حاضرًا، ولكن جذوره… كانت هناك، في نشرة «حديث الدورة» يوم 11 رمضان 1410هـ، ومباراة لا تُنسى بين «أم الحمام» و«الزهور».
شهادة لاعب… من قلب الحدث
المفارقة الجميلة أن صورة النشرة نُشرت مؤخرًا بالصدفة في مجموعة واتساب تُعنى بالأحداث الرياضية في محافظة القطيف، وتحمل اسم «مخضرمي رياضيي أندية القطيف»، حيث نشرها اللاعب توفيق درويش – أحد من ورد اسمه في النشرة – ليتفاعل معها كثيرون بشغف وحنين.
ويُدعى بالكامل توفيق بن صالح بن حسين بن حمود درويش من بلدة الملاحة، وقد تحدّث لـ«القطيف اليوم» قائلًا: «وجدت هذه النشرة في مجموعة واتساب قبل فترة، واحتفظت بها منذ ذلك الحين، لأنها تمثل لحظة وذاكرة خاصة».
ويضيف: «كنت حينها بعمر 18 عامًا، ألعب مع فريق الزهور من بلدة الملاحة، التابع للجنة التنمية الاجتماعية، وأتذكر زملائي في المباراة، منهم: حسين إبراهيم آل إبراهيم، مكي أحمد درويش، سعود عبد العزيز درويش، علي مهدي درويش، الحارس عبد الحميد حسن درويش، المدرب عبد الله موسى درويش، عبد الرزاق مبيريك، عادل حسن آل راضي».
ويختم قائلًا: «كانت المباراة على ملعب ترابي، وواجهنا فريق أم الحمام الذي ضم لاعبين رسميين في نادي الابتسام، مثل عبد الواحد عبد العال، عادل رضوان، تيسير البدر، صالح شبيب، سلمان أبو داوود، علي عبد العال، السيد ضياء وإخوانه… كانت مواجهة لا تُنسى».

توفيق درويش



