الذاكرة البصرية للقطيف على مفترق طرق

منذ نشأة شركة أرامكو في ثلاثينيات القرن الماضي، كانت مهمتها الأساسية تتمحور حول استكشاف النفط واستخراجه، إلا أن التوثيق البصري كان جزءًا من عملٍ مبكر أخذته الشركة على عاتقها، فقد أدركت منذ البداية أهمية هذه الخطوة، وفي عام 1940م، تأسس أرشيف أرامكو رسميًا ليكون شاهدًا حيًا على أعمال الشركة، ومصدرًا بصريًا يوثق مراحل نهضة المملكة في مجالات شتّى.
حملت كاميرات المصورين العاملين في الشركة ذاكرةً بصرية نادرة، التُقطت فيها ملامح المجتمع، والطرق الترابية، والأسواق الشعبية، والمباني القديمة، في وقت لم تكن الكاميرات يومها أداةً متاحة للجميع، لكن أرامكو، بوصفها رائدةً تقنية في ذلك الوقت، حوّلت عدساتها إلى جسرٍ يربط الأجيال الحالية بالماضي العتيق.
تمتلك أرامكو أرشيفًا واسعًا من الصور التي توثق تاريخ المنطقة الشرقية، وتحديدًا القطيف، منذ بداياتها الأولى، وهذه الصور لم تكن مجرد تسجيلٍ جغرافي، بل حملت قصصًا عن حياة الناس اليومية: صيادي السمك على سواحل القطيف، المزارعين في واحات النخيل، الأطفال في أزقة الأحياء القديمة. إلى جانب هذا الأرشيف، تبرز صورٌ أخرى نادرة التُقطت بعدسات أجانب زاروا المنطقة، أو أبناء القطيف القلائل الذين امتلكوا كاميرات في حقبةٍ كانت التكنولوجيا فيها رفاهيةً نادرة.
مع الانتشار الواسع للإنترنت، وجدت كثير من هذه الصور طريقها إلى الفضاء الرقمي، لكنها تبقى مُشتتة بين المواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، وهنا تكمن المشكلة: فوجود الصور على الشبكة لا يضمن حفظ تفاصيلها من الضياع أو التشويه، خاصة مع التغييرات الجذرية التي شهدتها القطيف، ومنها التوسع العمراني السريع، تحوّل الملامح التراثية إلى مشاريع حديثة، واختفاء معالم كانت يومًا جزءًا من الهوية المحلية. كلها عوامل تجعل من جمع هذه الصور وتوثيق مواقعها وأماكن التقاطها مهمةً عاجلة، فالأجيال الحالية التي عاصرت التحولات لا تزال قادرةً على تحديد أماكن الصور التفصيلية بدقة، لكن هذا لن يدوم طويلًا مع تسارع وتيرة التغيير.
اليوم، تُتيح الثورة الرقمية أدواتٍ لم تكن متاحةً قبل عقود، فمنصات التواصل الاجتماعي يمكن أن تصبح متاحف مفتوحةً للجمهور، وحسابات متخصصة قادرة على جمع الصور المبعثرة وترتيبها زمنيًا وجغرافيًا. بعض المبادرات الفردية بدأت بالفعل في هذا المجال، مثل حسابات تُنشئ “ألبومات رقمية” للقطيف القديمة، لكن الطموح الأكبر يتطلب مبادرة لجمع كل هذه المواد وتصنيفها، مع إشراك المجتمع في تحديد المعالم عبر ذاكرتهم الحية.
قد يتساءل البعض عن جدوى توثيق الصور القديمة، إلا أن الإجابة تكمن في فهم دورها العميق بوصفها وثائق تاريخية، لا مجرد “ذكريات” لزمن جميل. فالصور تسجل ملامح التطور الاقتصادي، وتوثق التحولات الاجتماعية من خلال تغيّر أنماط الملبس ووسائل النقل والعادات اليومية، كما تعكس مظاهر النهضة العمرانية، من اختفاء البيوت ذات الطابع القديم إلى بروز المباني الإسمنتية الحديثة. والأهم من ذلك، أنها تُسهم في إعادة تعريف الأجيال الجديدة بجذورهم، وتُثري هويتهم بفهمٍ أعمق لمسار التطور الذي قطعته بلادهم.
جمع الصور القديمة مهمةٌ إنسانية قبل أن تكون تقنية، وبعض أبناء القطيف ما زالوا يحتفظون بصور أسرية نادرة في منازلهم، أو يعرفون حكايات خلف الصور المنتشرة على الإنترنت، وهنا، يمكن للجمعيات التنموية، وأندية الهواة أن يلعبوا دورًا في تنظيم مبادرات لجمع هذه المواد البصرية، وحفظ الذاكرة القطيفية التي باتت على مفترق طرق.



