أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الأنوثة في زجاجة

عماد آل عبيدان · القطيف اليومالسبت 12 أبريل 2025، 9:39 ص
الأنوثة في زجاجة

لو كانت المرأة زجاجة، لما كانت إلا زجاجة عطر؛ شفافة المظهر، غامضة العمق، أنيقة المنحنى، حادة الانكسار إن سقطت. فيها من السحر ما يُسعد، ومن الخطر ما يُفزع. والعطر بداخلها ليس إلا رمزاً لما تُضمره من مشاعر، وما تُصدره من أثر، فإما عبقٌ يُحيي الأرواح، أو رائحةٌ تخنق الأنفاس.

لكن، أي عطرٍ تسكنه؟ وأي أثرٍ تتركه؟ ذلك ما يحدده فعلها واختيارها في زمن فُتحت فيه نوافذ العالم، واحتشدت فيه المغريات، وتكسرت فيه الخصوصيات.

المرأة بين الجاذبية والابتذال
ليست كل أنثى عطراً، كما أن ليس كل عطر يُشم.
بعض النساء يحملن من الحياء والعفاف ما يجعل مرورهن في الحياة كنسيم الفجر؛ هادئاً، نقيّاً، يُوقظ فينا السلام.
وأخريات اتخذن من الجسد سلعة، ومن الأنوثة شعاراً مستهلكاً في أسواق العالم الافتراضي، فأضحت أنوثتهن كعطرٍ مسكوب في الوحل؛ لا يُشمّ، بل يُنفر منه.

يقول الله تعالى:
فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض [الأحزاب: 32]
توجيه قرآني دقيق، يحذر من استثارة الرغبات بلين القول، فكيف بمن تعرض ملامحها وصوتها وصورها بكل انكشاف؟

الأنوثة بين الستر والكشف
زجاجة العطر الفاخرة مغلقة بإحكام. محاطة بعناية. تُفتح بلطف. وتُستخدم بحب. لكنها إن تُركت مكشوفة أو استُهلكت برخص، صارت مادة للابتذال أو حتى القرف.
وهكذا المرأة. إن حفظت سترها، وصانت عطرها الداخلي من أن يتسرب عبثاً، بقيت كائناً مهاباً، مرغوباً، له قيمة.
وإن تبرجت وتكشفت وسلّعت أنوثتها، فقدت بهاءها، وأمست معرضاً للابتذال بدل الاحترام.

وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة
فليست المرأة متعة في ذاتها، بل في صلاحها، في عبير طهرها، في شذى حكمتها، في عطر حيائها.

العالم الافتراضي: مختبر فاضح للعطر الحقيقي
وسائل التواصل الاجتماعي الآن صارت كمختبر يُجرب فيه الجميع عطوره. تُنشر الصور، وتُبث المقاطع، وتُعرض الأنفس بلا غطاء. وهنا، تظهر “رائحة الروح” الحقيقية.
المرأة التي كانت تُبجل لعفتها، صارت تُقاس بعدد متابعيها، وبجرأة صورها، وبرخص ابتسامتها الرقمية.

لكن لا تُخدعوا: ما يُنشر ليس دائماً عبيراً، بل قد يكون نتناً متقن التجميل.

الأثر النفسي والاجتماعي
الأنثى إن عطرت نفسها بالحياء، تعطرت روح من حولها.
أما إن اختارت العري الافتراضي، والانكشاف اللامحدود، فقد أثّرت في الفتيات، وأعطت صورة مشوهة عن النجاح، وجعلت “الجرأة” بديلاً عن “القيمة”.

في دراسات نفسية عديدة، تبين أن النساء اللواتي يظهرن بشكل مفرط على السوشيال ميديا، يتعرضن بنسبة أعلى للاكتئاب والقلق وعدم الرضا عن الذات. لماذا؟
لأن العطر الذي لا يُستبقى لذوي القرب، يفقد قيمته، ويغدو مملاً، ثم مثيراً للشفقة.

قال النبي صلى الله عليه وآله:
إياكم وخضراء الدمن
قالوا: وما خضراء الدمن يا رسول الله؟
قال: المرأة الحسناء في منبت السوء

ليست الجماليات الظاهرة دليل النقاء، ولا الصور اللامعة دليل الطيب.
بل الأصل، والأساس، والمنبت.
فلو صادفت امرأةً كالعطر في شكلها، فانظر هل هو عطر مسك أم عطر مزيف؟
هل رائحتها من الداخل حقًا عبقة، أم مجرد تغطية على عطبٍ روحي؟

خلاصة القول: الأنوثة ليست مظهراً… بل رسالة
في النهاية، لا تُقاس الأنوثة بدرجة الجمال، ولا بالملابس، ولا بالنعومة المفتعلة، بل بالرسالة التي تنبعث منها.
فكما أن العطر يُميز بالجودة، كذلك الأنثى تُميّز بالعفة.
وكما أن زجاجة العطر تُكسر إن أُهينت، كذلك المرأة، إن أهملت قيمها، تنكسر داخلياً، وإن ظنت أنها تتوهج خارجياً.

أيتها الأنثى:
كوني زجاجة، نعم.
لكن زجاجة عطر نفيس، لا يُباع في الأرصفة.
كوني أنوثة مصونة، لا أنوثة مستهلكة.
كوني أثراً في القلب، لا صورةً في المتصفح.
فالعطر يبقى، إن صُنع بحب، وحُفظ بذكاء، واُستخدم بحكمة.