أبي.. أناغيك طفلًا

مشيت إلى جانب والدي كتفًا بكتف، متوجهين إلى عيادة مريض، مررنا بالأزقة، والتي لم أبصرها منذ قرابة العشرين عامًا، وذلك بعد انتقالنا من قريتنا إلى منطقة جديدة؛ حيث منزلنا الجديد الذي بناه والدي.
كان الحديث بيننا، كقطرات الماء، تروي الشفاه اليابسة، ترشفها الروح استئناسًا، تشعر به الآن، إن أغمضت عينيك، وتخيلته واقعًا، كيف به واقعًا تعيشه؟!
ليت الآباء لا يكبرون، ولا يصيبهم المرض، ونغدو مع الوقت صغارًا، تناغينا أنفاسهم، ونتكلل بالعنفوان..
خطواتنا عبر الهدوء، نشم رائحة العبير من خلالها، أتأمل وجه آبي، أقرأ امتداد العمر في وجنتيه، في تقاطيع وجهه المنهك، والذي أتعبته السنوات، وأنهكه المرض، ليتني أستطيع البوح عن طفولتي هنا، عن الرفاق الذين كانوا هنا، أشاطرهم اللعب، وأقاسمهم براءة الطفولة..
أيعلم أبي، أنه أخذني إلى حيث طفولتي في لحظة عابرة، والتي لم أخط أحرفها إلا هذه اللحظة، حيث أكون..
وفي صباح اليوم التالي، لا تزال هذه الجذبة العابرة، تسكنني، تبحر بي في الذكريات، في تأثيث ألوانها؛ لأعيشها حيث كنت برفقته، ليتنا لم نكبر، وما زالت ضحكاتنا في أحضان آبائنا..
جل ما أفكر فيه، أن يطول هذا اللقاء في كنه ذاتي، يغرسني أكثر في ذاكرتي، بعيدًا استغرق شوقًا له طعم هذه المنازل القديمة التي أبصرها، وأعانقها في عيني أبي..
هنا، سيلثم حديثي هذا، سيعانقه، كل قلب يحدق في ملامح العمر بوجنتي والده، وكل من فقد والده، والآن تسبقه الدمعة بالشوق إليه، إلى احتضانه بذراعيه، إلى الغرق في ابتسامة شفتيه، والإصغاء إلى كلماته..



