أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سبعينيّ الهوى.. وميلادٌ آخر للحياة

عماد آل عبيدان · القطيف اليومالثلاثاء 15 أبريل 2025، 10:24 ص
سبعينيّ الهوى.. وميلادٌ آخر للحياة

من قال إن السبعين هي محطة النهاية؟ من أوهمنا أن العقود إذا زادت تكسّرت الأرواح وخمدت الأشواق وتقلّصت الطموحات؟

ها نحن اليوم، في عصرٍ يتسارع فيه النبض وتُروى فيه الأعمار بجرعاتٍ من الوعي الجديد، نشهد سبعينيين يصعدون الجبال، ويكتبون الكتب، ويضحكون بقلوب الأطفال، كأن الزمن اعتذر لهم على مروره وأهدى لهم “حياةً ثانية”.

السبعون ليست خريفاً يُؤذن بالنهاية، بل ربيعٌ ناضج، فيه يُزهِر المرء من جديد، لا بجسده فحسب، بل بروحه، وعقله، وحنكته، وحُسن تدبيره.

ليست الأعمار بالأرقام، بل بما تفعله الروح حين تصحو. وحين ترفض الانحناء لصورة نمطية رسمها المجتمع، أو خوف صامت بثّه الزمن في القلب.

أول الخلاص: حين نتحرر من خوفٍ لا نراه
الخوف صامت، لكنه أكثر الضجيج إعاقة.
ما أكثر من اختبأوا خلف أعذار “كبرنا”، و”ما عاد فينا طاقة”، فتضاءلت حياتهم من حيث لا يشعرون.
أليس هو القائل في كتابه العزيز:
ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون؟
فكيف يليق بمن ارتقى سبعين عتبةً من الحياة، أن يتقزّم تحت ظل وهمٍ زرعه الآخرون؟

الصحة ليست جسداً فقط، بل تقديراً للنَّعَم في كل خطوة نمشيها، وفي كل نبضة لا نُحسّ بها، تكمن آية.

إن إهمال الجسد لا يعني العجز، بل هو إهمال شكرٍ واجبٍ لله على ما منحنا من نِعَم.

من أبهى صور الوفاء للعمر، أن نُكرّم أجسادنا بالرياضة، ونفوسنا بنظامٍ غذائي يليق بكرامتنا كخليفة في الأرض. ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وما أكثر من خسروا صحتهم لا لعجزٍ، بل لتقصيرٍ.

العزلة خريف الأرواح
ليست الوحدة بالغياب، بل بالانسحاب من الحياة. وليس السبعيني من شاب شعره، بل من اعتزل الناس وكأنه ينتظر شيئاً لا يأتي.

في أحاديث النبي وأهل بيته عليهم السلام، ورد كثيراً الحثّ على صُحبة الأخيار، وعلى التزاور، وعلى المجالس التي تُحيي القلب.

“المؤمنُ مألوفٌ ولا خير فيمن لا يألف ولا يُؤلف”، فأي معنى لحياةٍ بلا تجارب مشتركة، بلا ضحك، بلا قصصٍ تُروى؟

دع عنك لو أني فعلتُ، لو أني قلتُ الندم حين يطول، يُصبح قيداً، لا درساً.

من أراد أن يكتمل نضوجه في هذه المرحلة الذهبية، عليه أن يُغلق باب الندم، ويفتح نوافذ الحاضر.

كل “لو” تُرهق القلب، وكل “كان” تُسقط المستقبل. ومن نعم الله أن الحاضر ما زال يُمنح لك، والوقت لم ينتهِ بعد.
أليست التوبة مفتوحة حتى آخر لحظة؟
فكيف لا تكون الحياة قابلة للتجدد دوماً؟

الحركة: مرآة الحياة لا مرآة الجسد لا تُقاس الحركة بسرعة الخطى، بل بحيوية القلب.

اجعل لنفسك ورداً من المشي، أو الرقص، أو الركض خلف حفيدك في الحديقة.

تحرّك لتُثبت لنفسك أن الحياة تجري في عروقك، وأنك لستَ شاهداً عليها، بل صانعٌ لها.

كل زهرة في حديقةٍ سقاها جهدك، كل خطوة في صباحٍ بارد، كل رقصك وحدك على لحنٍ قديم… هي علامات أنك ما زلت تعيش، لا فقط تتنفّس.

كُن رفيقاً لنفسك، كما تودّ أن يكون الناس لك لا تكن قاسياً على روحٍ قاومت السنين، وربّت أبناء، وبَنَت تجارب، وواجهت مصائب.

كل تجعيدةٍ على وجهك، قصيدة. كل شيبة، وسام. كل ألمٍ مررت به، صفحة في كتابك الثمين.

السبعون لا تعني نهاية الجمال، بل بداية الجمال الحكيم، العميق، الرصين. “ولقد كرّمنا بني آدم”
فكيف تُهين من كرّمه الله؟

واخيراً… لا تطفئ الشغف
لا تعش لتأكل وتنام. عشْ لأن في داخلك ناراً تستحق الاشتعال.
إن كنت تحب الشعر، فاكتبه.
إن كنت تهوى الرسم، فلوّن به جدران يومك.
إن كانت لديك حكايات، فاكتبها.
إن كان لديك حلم، فابدأه.
لم يفت الأوان.
أليس نبيّ الله نوح قد بُعث وهو ابن خمسين ومئتين؟
أليس موسى قد واجه الطاغية فرعون في كهولته؟
العمر ليس مانعاً للشغف، بل دليله.

كلمة أخيرة
في زمنٍ يُقاس النجاح فيه بالشباب والسرعة والصور، كن أنت المثال الذي يُثبت أن العمر ليس قيداً، بل فرصة.
كن سبعينياً يفيض بهجة، يتّقد حكمة، يتوق شغفاً، ويتنفّس حباً.

واذكر دوماً أنك خُلقت لتعيش الحياة كاملة،
لا نصفها الأول فقط.

“كأنّ السبعين ميلادٌ آخر… إن قرّرت أن تعيش لا أن تعدّ السنين.”