أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عيناه تحدقان..

جمال الناصر · القطيف اليومالجمعة 18 أبريل 2025، 2:09 م
عيناه تحدقان..

متسربل بالصمت، لا يشارك أصحابه الجالسين، يتأمل أصواتهم، يشاغب ملامح الوجه فيهم، يدسُّ حديث ذاته في استنطاق ذواتهم، يلمُّ أصابعه، يكوّرها، كالقبضة، تختزل عالمه غير المرئي لهم.

قليل من الاحمرار في عينيه، يشي بالقدر الكبير من التحديق المركز في الأشياء؛ من خلق حوار، تتزاحم فيه الشخصيات في درامية هذا العالم الداخلي، والذي يستحضره الآن.

يحدثهم من خلاله هو، يرسم أشكالًا يتخيلها من نقوش "الموكيت"، تغرقه في تفاصيلها؛ يعيد نسجها عبر تأملاته، يسقط أفكارهم على مائدة أفكاره، كيف بالغربة، تقتات من جسده؟!

إنه يشعر بالغربة، بهذا النسيج المائي الذي يجافيه، في ضجيج الصمت، بينما أصابعه في اهتزاز بطيء، ينبئ عن صراع ذاتي، عيناه تحدقان، لا شيء، إنه يبصرهم في الوقت.

جلهم لم يفهم هذا السكون، لم يتقنوا معرفة فلسفته، ثمَّة عالم متشعب المسافات في داخله، يخالهم يتحدثون في سرهم، تقذفهم الأسئلة حيث هم يختالون، ينسجون قصصًا، يضحكون ويمرحون، عالم في كل واحد منهم، لم يفتح أزقته، بل لا يريد.

وحده استطاع فك أحجيته..

إنه يصغي إلى ذلك الصوت، القادم من أعماق الذات، يصغي جيدًا إليه، يفرش على وقعه أحلامه المتعبة، وألوانه العاشقة احتضانه، الشعور بالدفء من خلاله.

التفت إليه أحدهم، حين غفلت منه، سأله:

ما بك صامتًا، لا تشاركنا الحديث؟!

قطب حاجبيه، وأمعن النظر في تفاصيل وجهه، ازداد صمتًا، ولم يجبه.

تناول يراعه، وأخرج كراسًا صغيرًا من حقيبته التي لا تفارق خطواته أين ذهب، وبدأ يكتب ما يخالجه:

هناك..، في الزجاجة من خلفك شيء أتأمله، شيء أفقدها الصفاء، وكأنما قطرات ماء هي، كالندى المنساب في ربيع، لم أستطع تحديد ماهيته، اعذرني، لتحدق فيه أنت، ربما استطعت رفع هذه الغشاوة عن عيني، لطفًا، لتحدق أنت..