مناهل تربية الأبناء

من نعم الله العظيمة أن يهب لنا ذرية من الأبناء والبنات نسعى لتربيتهم والاعتناء بهم، وقد يظن بعض الآباء والأمهات أن أكبر علاقة ورابط بيننا وبين أبنائنا هو تقديم الرعاية المادية لهم من مأكل وملبس واهتمام بصحتهم الجسمية والاعتناء بهم مع ترسيخ قواعد التربية العامة وإظهار العاطفة الجياشة لهم من الحب والمودة.
لكن لو تفكرنا قليلًا مع ما ذكرناه وهو مطلوب ويعتبر من أساسيات الحياة والتنشئة إلا أن علاقتنا أكبر بكثير من هذه الأمور، فالعلاقة ليست عاطفية ومادية بل العلاقة بين الآباء والأبناء علاقة تفاعلية وتبادلية تقوم على الكثير من الأسس التي تجعلها علاقة ناجحة ونافعة.
ومن أهم هذه الأسس هي العاطفة الصادقة المتضمنة للتطبيق القولي والفعلي، ففي البداية تقوم علاقتنا مع أبنائنا على مبدإ الحب والعاطفة وهذا في بداية وجودهم، ولتكوين علاقة سوية لابد من إظهار المحبة والحنان لهم لأن الطفل في بداية مراحل عمره الصغيرة لا يحتاج إلا للحب والاهتمام والرعاية والحنان، ولابد أن يترجم ذلك الحب والاهتمام سلوكًا وعملًا فلا يكفي نطق كلمات الحب والمودة بل لابد من تطبيقها عمليًا.
كيف أحب ذلك الابن من خلال إشعاره بالأمن والخوف عليه من عوارض الزمن وتوفير احتياجاته والدفاع عنه عند تعرضه للخطر ومشاركته بعض الأنشطة والألعاب، وكل ذلك يترجم الحب الحقيقي له من خلال اقتطاع جزء من الوقت يكون خاصًا بهم.
ولا يخفى علينا أن الأبناء أثناء ذلك يعيشون عنصر المحاكاة والتقليد وكأنهم أمام مرآة تصوير (سينما) تعكس كل أفعال الوالدين وهم يطبقون ما يشاهدون من إيجابيات أو سلبيات، لذا لابد من الحرص على إظهار كل ما هو جميل لهم لتكون التنشئة سليمة وتنفعهم مستقبلًا.
والتقدير والاهتمام يكسبهم الثقة بالنفس ويعزز الاقتدار عندهم فالحب ليس كافيًا إذا كان يفتقد عنصر التقدير والاهتمام، وإشعارهم بأهمية وجودهم وأهمية آرائهم وأفكارهم فلابد من مشاركتهم في الآراء وإبداء الحلول والمقترحات وإن لم يؤخذ بها لعدم مناسبتها، ولكن في حد ذاته فعل ذلك يظهر الاهتمام وأن ذاك الابن جزء من العائلة وله انتماء ووجود يسهم في تطوير شخصيته وأفكاره ويجعل منه شخصًا ناجحًا، بعكس أولئك الآباء الذين يتفردون بأرائهم فسيطبع طابعًا سيئًا على شخصية الأبناء في اتخاذ القرارات الخاصة بهم؛ لأنهم لم يتعودوا على المشاركة ووضع الحلول والمقترحات، كما ستتولد شخصية قد تكون معقدة أو اتكالية لا تستطيع إنجاز أي عمل أو حل أي مشكلة وإن كانت بسيطة، بل يخرج إلى المجتمع وهو بعيد -كل البعد عنه-، ويفقد ما يسمى بالذكاء الاجتماعي.
هذا بالنسبة للأبناء وكذلك هناك أسس للآباء لابد أن تتحقق في الوالدين ومنها التربية المعرفية، فكثير من الآباء أساس التربية عندهم يقوم على التقليد والمعرفة السطحية لأمور التربية، والتي تقوم على رعاية الأطفال والاهتمام البدني بهم وتوفير الأمور المادية لكن التربية وأسسها أكبر من ذلك، هناك احتياجات نفسية وسلوكية يحتاجها الأبناء حتى في العاطفة والعطاء وكيفية تقديمها للأبناء بشكل إيجابي، فعندما يتعلم الوالدان أساليب التربية والأدوات التي تساعد على التربية السليمة ومعرفة التعامل مع كل جيل حسب الزمن الذي يعيش فيه واحتياجاته، هنا نستطيع التعامل بشكل أفضل مع أبنائنا بالذات في هذا الوقت الذي نشهد فيه الانفتاح الواسع على المجتمعات الأخرى، لذا لابد أن يتحمل الوالدان هذه المسؤولية ويتزودان بطرق التربية المعرفية والصحيحة التي من شأنها تكوين جيل صالح.
ومراعاة الفروق الفردية بين الأبناء وهذا أمر ضروري، فالأبناء ليس بالضرورة أن يكونوا كلهم بنفس النفسية والأطباع وحتى الميول الاجتماعية والعلمية، هناك الكثير من الفوارق بين الأبناء ولابد من مراعاة ذلك والبعد عن المقارنة مع الأقران أو الاستهزاء ومحاولة استنقاص شخصياتهم وأفكارهم، بل لابد من إظهار الاهتمام بميولهم ورغباتهم العملية والعلمية والاجتماعية من أجل تكوين شخصية قوية وناجحة نافعة.
أخيرًا لابد أن نفهم -كأباء وأمهات- أن أي نجاح أو إخفاق يعيشه الأبناء وأي شخصية قوية قادرة على مواجهة الصعوبات والمشاكل أو تكون شخصية انطوائية واتكالية فنحن من نصنعها ونقدمها.



