من مذكّراتي 4.. هل ممكن أن تُنسى جنازة

قبل عدّة أعوام، رنّ هاتفي في وقت من شخصية غير متوقّعة، كان على الطرف الآخر موظف يعمل في أحد مستشفيات المنطقة الشرقية، لم يكن بيننا سابق معرفة، وكان اتصاله محض صدفة كوننا جهة مهتمة بنشر حالات الوفاة ورقم هاتفنا في متناول الجميع، سألني مباشرة: “هل تعرف فلانًا الفلاني” فأجبته: “أعرف بعض أقاربه معرفة عابرة”، فطلب مني بودٍ وحرص إن كنت أملك رقم أحد أقاربه أو معارفه، سألته عن السبب، لكنه لم يفصح، زوّدته برقم، وانتهت المكالمة، ولم أحمّلها فوق حجمها.
بعد عدة أيام، عاود الاتصال، قال لي: “تتذكر الاسم اللي سألتك عنه” قلت: “أكيد، ” فقال: “الرجل متوفى منذ أيام، ولا نزال نحاول التواصل مع أحد من أقاربه كي ينهي إجراءاته، دون جدوى”.
أعطيته رقمًا آخر، شكرني، وأغلق الخط، وافترضت لاحقًا أنهم استلموا الجثمان، وتمت مراسم التشييع، ومرت الأمور كما تجري في كل الحالات، لكن لم تجرِ الأمور كما ظننت.
توالت الأخبار، ازدحمت التغطيات، وذهبت الأيام، ونُسيت القصة في زحمة الوفيات اليومية، إلى أن جاء يوم، كنت أراجع فيه أرشيف الوفيات، وتوقفت فجأة عند نفسي: “فلان متى تم تشييعه” حاولت أن أتذكّر، قلّبت الصفحات، وبحثت في المنشورات، فلم أجد له ذكرًا.
راودني الشك، هل نسيت أن أعلن عنه، هل فاتني، فعدت أفتّش، اسمًا اسمًا، بين عشرات الأسماء بلا جدوى، ثم خطر ببالي أن أستفسر من مسؤولي المغتسلات، اتصلت بالأول، قال لي “أول مرة أسمع باسمه”، والثاني أجاب بنفس الحيرة.
بدأ الشك يتحول إلى قلق، هل من الممكن أنه لم يُدفن بعد رغم مرور نحو أسبوعين على وفاته، أو هل وقع اشتباه بالاسم، هل هو من خارج المنطقة ولم يكن من القطيف وتمت مواراته الثرى وانتهى الأمر، أم أن الموضوع أعقد من ذلك.
أعدت الاتصال بالشخص الذي تواصل معي أول مرة، وسألته: “وش صار على موضوع فلان” فأجاب: “أنا كنت فقط وسيطًا، سألني موظف عنه وطلب مني المساعدة، وأوصلت سؤاله لك” لكنه وعدني أن يعود ليسأل عنه.
بعد فترة وجيزة، تواصل معي وأكّد أن المستشفى تواصل أكثر من مرة مع من يُفترض أنهم أقاربه، لكن لا أحد حضر لاستلامه، لا سبب واضح، لا تجاوب، فقط صمت بارد، فقلت في نفسي هل يُعقل أن يُترك إنسان بهذه الطريقة، ما كان عليّ سوى أن أتحرّك لأتحرى الأمر.
اتصلت بعدة أشخاص يعملون في إكرام الموتى لاستشيرهم في الأمر، وكان من بينهم الملا عبدالله المناميين، وكذلك لجنة “كل من عليها فان”، التي كانت تشرف على إكرام الموتى، وكان حينها عضو المجلس البلدي السابق فاضل الدهان يتولى مسؤولية إدارتها قبل أن تتوقف خدماتها، وشرحت له القصة بكل تفاصيلها، فقال: “من الناحية النظامية، هذا أمر يخص من تواصل معه المستشفى وأقرب الناس له، لكن إنسانيًا، يمكننا أن نعلن عن الوفاة، وقد يحرك المياه الراكدة”.
كان القرار صعبًا، لكننا أقدمنا عليه، أعلنا عن اسم المتوفى، دون الرجوع إلى أحد، وفي حينها، بادرت مجموعة من أقارب الفقيد بالتواصل مع المستشفى، واستلموا الجثمان، وأقيمت الجنازة، وكأن النداء الإعلامي حرّك الساكن.
لا أعرف حتى اليوم هل كان ما فعلناه كان صحيحًا أو لا، لكني أعلم أنني كنت في مواجهة مع سؤال لم أعتد عليه في مسيرتي الطويلة كمتابع لحالات الوفاة "هل من الممكن أن تُنسى جنازة!!!!".
اتضح لاحقًا أن الفقيد كان وحيدًا، وأنه عاش بعيدًا عن محافظة القطيف منذ سنوات، في عزلةٍ لم نعرف إن كانت خيارًا أم اضطرارًا، ربما كان يعاني من شيءٍ ما، ألم نفسي، أو ظرف صحي، أو تجربة مريرة دفعت به إلى ذلك، فابتعد عن من حوله، ثم ابتعدوا عنه.
قصة كهذه تُربكنا، وتُذكّرنا، أن صلة الرحم ليست فقط واجبًا دينيًا، بل طوق نجاة ينتشل الإنسان الغرق، ويمنحه حياة تحفظ له كرامته حتى في وداعه الأخير، هي قصة من بين مئات، لكنها، بلا شك، واحدة من القصص التي حفرت مكانًا عميقًا في ذاكرة المهنة.



