التنمر على وسائل التواصل الاجتماعي.. بين البحث عن الشهرة وإسقاط الآخرين

في عالم وسائل التواصل الاجتماعي الذي يعجّ بالمحتوى المتنوع، أصبح من الواضح أن بعض الأشخاص يسعون إلى الشهرة بطرق غير أخلاقية، حيث يظنون أن الطريق إلى الأنظار يكمن في التنمر على الآخرين والانتقاص منهم. للأسف، نجد بعض الأفراد الذين يتخذون من السخرية والتهكم على فئات معينة من المجتمع وسيلة لجذب الانتباه، دون النظر إلى الأثر السلبي الذي يتركونه وراءهم.
انتشر مؤخرًا على منصات التواصل أشخاص يستغلون وسائل التواصل الاجتماعي للنيل من شرائح اجتماعية معينة، سواء عبر التقليل من اختياراتهم الشخصية أو السخرية من أسلوب حياتهم. على سبيل المثال، هناك من يوجه انتقادات لاذعة لأولئك الذين يختارون وجهات كسفر معينة أو أولئك الذين يواجهون تحديات مالية، ليصفهم بأوصاف مهينة وغير لائقة. كما أن هناك من يستهزئ بأساليب الحياة البسيطة التي يعتمدها البعض لتوفير المال، مثل تعديل الملابس أو اختيار حلول اقتصادية لتخفيف الأعباء المعيشية. هذه التصرفات تروج لمفاهيم ضيقة تزرع الكراهية وتساهم في خلق فجوات اجتماعية بدلًا من تعزيز التفاهم والاحترام بين الناس.
من الناحية النفسية، هؤلاء الأفراد الذين يعتمدون على هذه الأساليب يبدون في الغالب نرجسيين، إذ يسعون لجذب الانتباه إلى أنفسهم من خلال إضعاف الآخرين. هذا السلوك يمكن أن يكون دليلًا على شعورهم الداخلي بالنقص أو عدم الثقة، حيث يعوضون ذلك عبر التقليل من قيمة الآخرين لتدعيم شعورهم بالقوة. الأشخاص النرجسيون في هذه الحالة، غالبًا ما يتخذون مواقف متناقضة، حيث يتنمرون على من يظهرون حياتهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي بينما هم أنفسهم يمارسون نفس السلوك.
هذا التناقض يتجلى في العديد من الحالات، حيث نجد أن الأفراد الذين يهاجمون الآخرين على تصرفاتهم الشخصية غالبًا ما يقعون في نفس المواقف التي انتقدوها سابقًا. إنهم يفتقرون إلى القدرة على التأثير الحقيقي والإيجابي على الجمهور، إذ لا يمتلكون المهارات اللازمة للتواصل الفعّال باستخدام لغة الجسد أو صياغة الكلمات المؤثرة. بدلًا من ذلك، يختارون أسلوب السخرية والتهكم، مما يضعف من مصداقيتهم ويجعلهم يفتقرون إلى التأثير البنٰاء الذي يمكن أن يحققوه.
لكن المشكلة الكبرى تكمن في أن المجتمع نفسه للأسف يساهم بطريقة أو بأخرى في انتشار هذه المقاطع السلبية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. سواء بالموافقة على هذا المحتوى أو حتى بالاعتراض عليه، فإن أي تداول لهذه المقاطع يسهم في زيادة وصولها إلى جمهور أوسع. إن تفاعلنا مع هذه المقاطع -سواء أكان بالتأييد أو بالانتقاد- يضمن لهم الاستمرار في تصدر الساحة الإعلامية. حتى الاعتراض عليها يعد نوعًا من التفاعل الذي يزيد من انتشارها. إذا كان هدف هؤلاء الأشخاص هو الحصول على الشهرة من خلال إثارة الجدل والفتن، فإن أي تفاعل مع محتواهم يعزز من إستراتيجيتهم في الاستمرار.
إن تداول مقاطع هؤلاء الأشخاص بأي شكل من الأشكال هو مساعدة غير مباشرة لهم لمواصلة تنمرهم وإسقاطهم على الآخرين. بدلًا من نشر هذه المقاطع أو حتى التفاعل معها، يجب أن نختار تجاهلها وعدم منحها أي مساحة على منصاتنا. نحن كمجتمع مسؤولون عن التأثير في توجهات هذه المنصات، ويمكننا أن نساعد في تقليل تأثير هذه الأنماط السلبية عبر عدم المساهمة في نشرها.
إن وسائل التواصل الاجتماعي، التي تعدّ منصة تفاعلية تتيح للأفراد التواصل والتعلم والنمو، لا يجب أن تتحول إلى ساحة للتنمر والاستفزاز. بل يجب أن تكون بيئة داعمة، تُشجّع على تبادل الأفكار الإيجابية والآراء البنّاءة. إن التنمر على وسائل التواصل الاجتماعي يخلق بيئة سلبية تساهم في تعزيز التفرقة الاجتماعية بدلًا من الوحدة.
علينا جميعًا أن ندرك أهمية التحلي بالاحترام المتبادل عند التعامل مع الآخرين على هذه المنصات. فالتركيز يجب أن يكون على التفاعل الإيجابي، ودعم كل شخص في مساعيه، وعدم التقليل من شأن أي فرد بسبب اختياراته أو وضعه الاجتماعي. إذا كنا نسعى لبناء مجتمع رقمي صحي، فلا بد من تبني ثقافة الاحترام والتفاهم، والابتعاد عن السخرية التي تؤذي مشاعر الآخرين.
في النهاية، ينبغي على الجميع أن يسعى لتكون مشاركاته على وسائل التواصل الاجتماعي مليئة بالإيجابية والدعم، عوضًا عن الاستفزاز والسخرية. لنكن جزءًا من بيئة رقمية تشجع على النمو وتبادل المعرفة بدلًا من نشر الكراهية والإساءة.



