أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

لماذا نضحك كالبكاء؟

نازك الخنيزي · القطيف اليومالخميس 8 مايو 2025، 10:55 ص
لماذا نضحك كالبكاء؟

نضحك، لا لأن العالم يبعث على السرور، بل لأننا نحاول النجاة من ثقل الحقيقة.
في هذا الزمن الذي يبدو فيه كل شيء متاحًا — الكلمات، الصور، القرب، والبوح — أصبح القلب أكثر بُعدًا، والصوت أقرب إلى الصدى منه إلى الحضور.
نضحك كي لا نبكي، ونبتسم كي لا تنهار وجوهنا أمام المرايا.
لكن خلف كل نكتة عابرة، وخلف كل ضحكة مشرّخة، يكمن سؤال جوهري:
لماذا صارت العلاقات أليمة بهذا الشكل؟ ولماذا حين نقترب من بعضنا نجرح أكثر مما نحتضن؟

في خضم هذا التناقض، لم يعد القنفذ مجرد حيوان صغير، بل صار رمزًا لواقعنا النفسي: نقترب لنحتمي، فنتأذى… نبتعد لنتفادى الأذى، فنرتجف بردًا.

الفيلسوف الألماني شوبنهاور عبّر عن ذلك بقوله:

“القنافذ تتجمّع شتاءً لتتدفأ، لكن أشواكها تجرحها إذا اقتربت أكثر من اللازم.
هكذا البشر: الوحدة تقتلهم، والاقتراب يؤلمهم.”

في الزواج، نبني صورًا مصقولة للسعادة نُعلّقها على جدران مواقع التواصل، ونُخفي الخيبات تحت الوسائد.
وفي العزوبية، نرفع راية الحرية بينما نُحصي السنوات بقلق خفي: ماذا لو فاتنا قطار الحياة؟

العلاقات أصبحت تشبه الستائر الشفافة: نرى الآخر خلفها، لكننا لا نجرؤ على لمسه.

نعيش في مجتمع يرى الزواج مشروعًا أكثر منه علاقة، وإنجازًا اجتماعيًا أكثر منه شراكة وجدانية.
تُسأل المرأة عن “موعد زفافها” قبل أن تُسأل عن حلمها،
ويُختزل الرجل في قدرته على دفع المهر وتأمين المسكن، لا في قدرته على الحب أو الحوار.

لكن أين المشاعر في كل هذا؟
نزار قباني وصف هذه القسوة حين قال:

“أغلقنا النوافذ… وصرنا نعيش كالجرذان،
نتشمم الخيانة في ثياب بعضنا.”

صار الزواج، في بعض حالاته، مأوى جديدًا للوحدة، لا خلاصًا منها.

في المقابل، تُحمّل العزوبية كل تهم المجتمع:
المرأة تُوصم بـ”العنوسة”، وكأن عمرها سلعة ذات تاريخ انتهاء،
والرجل الأعزب يُواجه الشكوك، كأن حرية اختياره دليل نقص.

لكن العزوبية ليست دومًا هروبًا، بل قد تكون محاولة هادئة للنجاة.
رفضٌ لعلاقة مسمومة، أو سعي لاسترداد الذات.
ألبير كامو قال ذات مرة:

“لا أشعر بالوحدة إلا عندما أكون مع الآخرين.”

نحن نُدفَع نحو سيناريوهات مكتوبة مسبقًا:
زواجٌ مبكر يُقدَّم كحلّ اقتصادي أو واجب لا يُؤجل،
وطلاق يُتجنَّب خشية نظرة المجتمع، حتى ولو مات الحب.
أما الحب نفسه، فصار يُختزل في إعجابات رقمية، وعبارات محفوظة.

حتى اللغة خانتنا:
كلمة “عازب” تحمل إيحاء بالنقص،
و”مطلقة” تُلفَظ كأنها إدانة.

قد لا يكون الحل في الفرار من العلاقات، ولا في الاستسلام لها، بل في إعادة تعريفها من جذورها.
أن يصبح الزواج شراكة إنسانية، لا عقدًا اجتماعيًا.
وأن تكون العزوبية نضجًا، لا انتظارًا.
وأن نرى الحبّ بوصفه اختيارًا نقيًا، لا قيدًا ملوّنًا.

قالت الفيلسوفة حنة آرندت:

“الحرية الحقيقية هي أن تبدأ شيئًا جديدًا… حتى لو كان مجرد علاقة.”

وهنا لا تُفهم العلاقة كارتباط عاطفي بالضرورة، بل كرمز لأي فعلٍ حرّ—بداية جديدة يكسر بها الإنسان الجمود، ويتحرّر من التكرار.
إنها ليست دعوة للارتباط، بل دعوة للانبعاث.

نعم، نضحك أحيانًا كالبكاء، لأن الضحك صار وسيلة لتسكين المفارقة.
لكنه، في جوهره، اعتراف بأننا ما زلنا نحاول، ما زلنا نأمل، ما زلنا بشرًا.

والقنافذ… تعلّمت مع الوقت أن تترك مسافة آمنة:
مسافة لا تميت بردًا، ولا تجرح قربًا.

وربما سنتعلّم نحن أيضًا…
أن ندفأ دون أن ننزف.