الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

من مذكّراتي 5.. من لسويچة إلى العالَم العربي

السيد ماجد الشبركه · القطيف اليومالسبت 10 مايو 2025، 11:32 م
من مذكّراتي 5.. من لسويچة إلى العالَم العربي

حدث هذا قبل سنوات وتكرر عدة مرات، لكنه ما زال يرنّ في ذهني كجرس منبّه يعيدني كلما نسيت حجم العبث الذي نعيش فيه.

كشخصٍ متطفل على الصحافة من محافظة القطيف، أُدير صحيفةً محلية تُعنى بشؤون المحافظة، لا أحلم بانتشال العالم من مصائبه، بل أكتفي بخبر إصلاح لمبة أو عمود إنارة خربان في أحد شوارع حي الشويكة، الذي يُنطق في لهجتنا المحببة لسويچة، لا كما تكتبه الخرائط، أو أوثّق نبض مدن وبلدات المحافظة التي أعرفها، وبعضها يعرفني.

وها أنا في يوم هادئ، تصلني رسالة واتسابية من شخص يُعرّف نفسه بالأستاذ صبحي، لم أكن أعرف صبحي، لكن اسمه وأسلوب كتابته يوحي إما برجل ستيني يحمل شنطة جلدية مستعملة، أو حساب مستعار لمحتال، والثاني أقرب.

يبدأ صبحي بإعلان كبير، نبشّرك، لقد تم اختيارك ضمن أفضل 100 صحفي مؤثر في العالم العربي.

من لسويچة إلى العالم العربي، ما شاء الله، في لحظة شعرت أنني مرشّح للظهور في نشرة أخبار التاسعة بـ بي بي سي عربي أو قناة العربية، ثم تذكرت أنني قبل ساعة كنت أغطي حفلاً لتكريم فريق كرة قدم لدورة حواري بالقطيف، واستقبلت ملاحظة من مواطن عن حفرة طاحت فيها سيارته، ويحتاج رقم الجهة المسؤولة لتسارع في ردمها.

لكن المصيبة ليست في صبحي، ولا في شهادة أفضل صحفي عربي التي لا تساوي حتى قيمة الورق المقصوص من دفتر حسابات من بقالة ديرتنا، المصيبة في البعض، نعم، في البعض الذين يصدّقون هذه المهازل، ينخدعون، يطربون، يطالبون بالنشر، ويرسلون لنا بفخر، أرجو نشر خبر تكريمي من قبل رابطة المؤثرين العرب الدوليين العالميين للكون.

وعند محاولتك البحث عن الجهة المانحة، ستجدها صفحة فيسبوك متهالكة، صفر متابعين، آخر منشور فيها تهنئة لصاحب محل بطاطس لحصوله على وسام استخدام أفضل زيت قلي، وفي تويتر، الحساب يتابعه 10 أشخاص، 7 منهم حسابات وهمية، والثامن نايم.

ومع ذلك، يُصرّ أحدهم أن ننشر بأن فلان يُكرّم بدرع التميّز الإعلامي من الهيئة الدولية للمؤثرين العرب في المكان الفلاني.

ويبدأ وجع الراس، نحن كصحيفة نعرف أنها جهة وهمية، والناس تعرف، وحتى صاحب التكريم أحيانًا يخمّن أنها مزيفة، لكنه يُريد أن يصدّق الكذبة، وأن نُشاركه فيها، أصبحنا كمن يُطالبك بالتصفيق له لأنه اشترى ميدالية من السوق، وكتب عليها بطل العالم، المشكلة، إن لم تنشر، تُصبح ناكراً للمنجزات، حاسدًا للمواهب، معرقلاً لطموحات الوطن.

والأدهى من كل هذا، أن هذا الوباء التكريمي لم يقتصر على الصحافة، بل يمتد إلى الأدب، والشعر، والفن، والعمل التطوعي، وحتى من قرأ كتابًا واحدًا في حياته تلقى فجأة رسالة تقول له تم اختيارك ضمن أبرز مفكري الأمة لعام 2025، وتُختم بدعوة إلى حفل تكريم يُقام تحت شعار مؤثرون بلا حدود.

وتزداد المهزلة حين نكتشف أن بعض هذه الجهات تدار من شقق مفروشة، لا تملك لا شفافية، ولا لجان تحكيم، ولا أي معيار إلا ادفع وخذ لقبك، بل والأسوأ، يطلبون من حامل اللقب أن يرشّح أسماء أخرى، كي يُقام حفل تكريم جماعي، حتى يعطي شرعية لهذه المناسبة ولبقية من اختارهم كونه الممول، والذين وجدوا أنفسهم ضحية في مناسبة دون شعور.

أحيانًا أفكر، هل نحن أمام شبكة غسيل ألقاب، تأخذ تعبك وتاريخك، وتنقعه في ماء صبحي، وتخرج بشهادة تقول الدكتور الفخري، المؤثر، فارس الصحافة العربية، فلان الفلاني بطل لسويچة.

لا والله، بعض هذه الشهادات ليست تكريمًا، بل إهانة مغلفة بورق لامع، تحمل في طياتها إساءة حقيقية لتاريخ الشخص وجهده، وإنكارًا لتعب سنين لا يستحق أن يُختزل في ورقة مجهولة المصدر، فهي ليست مجرد كذبة، بل خداع يزج بصاحبه في خانة الوهم، وهو في غنى عن ذلك تمامًا.

والأسوأ أن بعضنا يُهلل لها، وينشرها بفخر، دون أن يدرك أن المتابعين أذكى مما يظن، وأن الكذبة كلما لمعَت، كانت أكثر فضيحة، وأكثر قسوة على من صدّقها.

في النهاية، تبقى الحقيقة كما هي، الصحافة ليست شهادة تُهدى، والأدب ليس درعًا يُعلّق، والشعر ليس لافتة تعلقها على صدرك، بل كلها مسارات من التعب، والصدق، والتجربة، وإذا وصلنا لمرحلة نحتاج فيها من صبحي أن يقول لنا من نحن، فعلينا أن نعيد النظر، لا في التكريم، بل في المعنى ذاته.

وجدير بنا هنا أن نوضّح، رفعًا للبس ودرءًا لأي تأويل خاطئ، أن هذا المقال ليس تهكمًا على أي شخص شرفنا بالتواصل أو أرسل لنا خبرًا يتعلّق بتكريمٍ من جهة ما، حاشا لله، بل كل الاحترام والتقدير لمن يسعى لتقدير ذاته، أو يفرح بلفتة يُحسن الظن بها.

لكن ما أردنا قوله، صراحة وبشيء من الأسف، أن هذه المواقف تضعنا كناشرين ومتطفلين على الصحافة في حرج حقيقي، أمام قرارات صعبة، بل وأحيانًا أمام اختبار أخلاقي عسير، هل ننشر فنُشارك دون قصد في تضليل القارئ، أو في خداع شخص أحسن الظن، هل نصمت فنُتهم بالتجاهل والانتقاص من إنجاز قد لا يكون إنجازًا أصلاً، هل نواجه الحقيقة ونتسبّب في إحراج أحدهم.

الخيارات قليلة، والتأثير كبير، ومع تكرار مثل هذه المشاهد، لم تعد مجرد نكتة، بل أصبحت معضلة أخلاقية ومهنية، نحتاج أن نتعامل معها بشيء من الوعي، والوضوح، والصدق المؤلم أحيانًا.