أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الثعلب والذئب المسرحي

عماد آل عبيدان · القطيف اليومالسبت 17 مايو 2025، 12:48 م
الثعلب والذئب المسرحي

في مسرح الحياة اليومية، لا يصفق الجمهور في النهاية، بل يختفي وراء كمامات الواقع، يراقبنا ونحن نؤدي أدوارنا بمهارة المكره أو موهبة المتذاكي. هناك، خلف الكواليس، ثمة ممثلان رئيسيان يتناوبان البطولة في مشهد الإنسان العصري: الثعلب المسرحي والذئب المسرحي، فلا تسألني عن المسرح، هو ذاتُه الذي نمشي عليه منذ كنا صغارًا نلعب دور “الطفل المثالي”، وما زلنا حتى الآن نؤدي دور “الناجي بأقل خسائر ممكنة”. أما هذان البطلان، فدعني أقدمهما لك.

المشهد الأول: الثعلب المسرحي، أستاذ التنكر وعميد الابتسامة المقلوبة.

الثعلب المسرحي لا يمشي على أربع، بل على “ألف” حيلة! يلبس قناع اللطف، ويبتسم كأن الحياة تسيل عسلًا بين شفتيه، بينما هو يعد خطواتك كما يعد البعض تواريخ الوفاة.

في الاجتماع الرسمي، تراه يصفق بحرارة للزميل الذي يحفر له الحفرة تحت الطاولة. في العزائم العائلية، يُثني على الطبخ بينما ينقضّ على القِدر بحركة محسوبة كأنه يؤدي رقصة تعبيرية. وفي صداقات الواتساب، يرسل لك “صباح الخير يا أطيب قلب” وهو يرسل لغيرك: “هذا ما وراه إلا وجع الراس”.

الثعلب المسرحي في حياتنا هو هذا الوجه الذي يُتقن فنّ المواربة، الذي ينام في جيب الجميع، ويستيقظ في صندوق بريد القيل والقال. هو البطل الذي لا ينتصر، لكنه لا يُهزم؛ لأنه ببساطة لا يقاتل، بل يُضلل!

المشهد الثاني: الذئب المسرحي، لا يتنكر، لكنه يُمثّل بعظمة.

الذئب المسرحي، على النقيض تمامًا، لا يُخفي نيّته، بل يعلنها بوضوح: “أنا لا أبتسم إلا إن أردت أن ألتهمك برقي”. هو ممثل لا يُغيّر ملامحه، بل يُغيّر النصوص من حوله.
صريح إلى حدّ الصدمة، ومباشر إلى حدّ الإعصار، لكنك لا تستطيع كرهه؛ لأنه لا يدّعي العذوبة.

في العمل، يقول لرئيسه: “فهمت قصدك، لكن طريقتك خاطئة”. في السوق، يفاوض التاجر بعينين من فولاذ: “يا تعطيني السعر المعقول أو أشكرك وأرحل”. وفي الحب؟ لا يبيع الأحلام بوردة، بل يقول: “أنا معك لأنك تستحقين، لا لأنني أحتاجك”.

الذئب المسرحي في حياتنا هو هذا النموذج النادر من البشر الذي يفاجئك بصدقٍ غير مغلف، بشجاعة منزوعة التجميل، يضحك أحيانًا ضحكة خشنة، لكنه لا يضحك عليك.

بين الذكاء والخداع، هل هما عملتان لمسرح واحد؟

نعم، يا عزيزي القارئ، وربما المؤلم أن نقول: هما العملتان الوحيدتان المتداولتان في بورصة العلاقات الاجتماعية! الثعلب ينجح لأنه يرقص على الحبال، والذئب ينجح لأنه يطويها ويصنع منها سُلمًا.

الأول يجيد فن التمثيل تحت مسمى “الدبلوماسية”، والثاني يمارس فن المواجهة تحت شعار “الوضوح”.

لكن المشكلة لا تكمن فيهما، بل في المسرح ذاته، في النص الذي كتبه مجتمعٌ يُكافئ الازدواجية، ويخاف من الحقيقة.

عندما نُصفّق للثعلب، ونخاف من الذئب

في الواقع المعاش، نحن نُكافئ المراوغة أكثر مما نُكافئ الصدق. نُحب الثعلب لأنه “خفيف دم” و”ما يزعل أحدًا” و”يعرف من أين تؤكل الكتف”، وكأن الحياة وليمة نحتاج فيها لموزّع لحوم محترف!

أما الذئب، فنتجنبه لأنه “ثقيل”، و”صريح بزيادة”، و”ما يعرف يجامل”، وننسى أن الذئب لا يخون قبيلته، بينما الثعلب لا يعترف بها أصلًا.

وهكذا تتعطل مكافآت الصدق، وتُمنح أوسمة الشرف لمن يُتقنون التلاعب بالإضاءة والموسيقى في مسرح الواقع، حتى أصبحنا نرتاح لمن يخدعنا بلطف، ونخاف ممن يُحبنا بشراسة.

كوميديا سوداء بنكهة الحياة اليومية!

دعنا لا نُخفي الحقيقة: في أعماق كل واحدٍ منا ثعلبٌ صغير، وذئبٌ محتمل. نُجامل أحيانًا كما يفعل الثعلب، ونصرخ بالحق كما يفعل الذئب، ثم نعود لنمثل دور “المواطن الصالح” وكأن شيئًا لم يكن! نجيد أدوار البطولة حين نحتاج للنجاة، ونتقمص شخصياتنا الحقيقية حين لا يكون هناك جمهور.

كلنا، بطريقة ما، نعيش المسرحية، لكن من يحيا الحياة؟ من يخلع القناع ويضحك كما هو؟ من يقول: “أنا لست بطلًا ولا ثعلبًا، فقط إنسان يحاول أن يكون شريفًا دون أن يُطعن، وصادقًا دون أن يُقصى؟”.

الختام: وبين الثعلب والذئب خيط رفيع من الحكمة، الحياة ليست خشبة مسرح، بل هي امتحان مفتوح في فصلٍ طويل اسمه “الإنسانية”. قد تحتاج أن تكون ثعلبًا لتنجو، وذئبًا لتحمي نفسك، لكن لا تنس أن تكون إنسانًا لتستحق البقاء. والفرق بين الممثل والإنسان، أن الأول يختتم المشهد بتحية للجمهور، بينما الثاني يترك في كل قلب ابتسامة لا تمثيل فيها.

فاختر: أتريد أن تكون بطلًا في مسرحية يصفق لها الجميع؟ أم إنسانًا في رواية يهمس الناس باسمك بإعجاب، حتى بعد أن يُطفأ الضوء؟

بقلم الثعلب المُتعافى، والذئب المُتقاعد، والإنسان الحالم بينهما:
عماد آل عبيدان