نجيبة الشهابية.. فنانة من القديح ترسم الخيل وتستعيد التراث بالديكوباج

في منزلها المفعم باللمسات الفنية والألوان الدافئة، تمضي نجيبة الشهابية، ابنة بلدة القديح بمحافظة القطيف، وقتها في تحويل الخامات البسيطة إلى قطع فنية تحاكي الهوية المحلية وتحتفي بالتراث العربي بنكهة أوروبية.
وبين الرسم على الرمل والتصميم بفن “الديكوباج”، استطاعت أن تصنع لها طريقًا خاصًا في عالم الفنون التشكيلية، تمزج فيه بين الماضي والحاضر، وبين الأصالة والابتكار.
ورغم تخصّصها الجامعي في الجغرافيا من جامعة الملك سعود بالرياض إلا أن الشهابية اتّجهت منذ وقت مبكر نحو الفن، مدفوعة بشغف الطفولة، حين اعتادت جمع قصاصات المجلات وبقايا الإكسسوارات لتعيد تدويرها وتصوغ منها تحفًا منزلية تعكس ذوقها الخاص.
وقالت: “كنت أقرأ عن الديكوباج في مجلة زهرة الخليج، وجذبني هذا الفن الفرنسي الذي يعود إلى القرن السابع عشر، فبدأت أجرب على طريقتي، مستخدمة كل ما تقع عليه عيني من خامات”.
ولا تضع نجيبة لنفسها حدودًا في اختيار مواضيع أعمالها بين الحصان العربي الذي تنقله بدقة في لحظة انطلاق، وراقصات الباليه بتنانيرهنّ المتطايرة، وبين لوحات نسائية غامضة تتناغم مع زخارف إسلامية.
وتظهر في أعمالها قدرة على المزج بين الرشاقة البصرية والرمزية العميقة، وأعمالها على ألواح الخشب المخصصة للتقطيع تنقل إحساسًا شاعريًا، وتجعل من القطعة اليومية نافذة على الفن.
وفي لوحاتها التي تظهر فيها نساء بملابس تقليدية أو خيول تندفع وسط المياه، يبدو واضحًا تأثرها بجماليات اللوحة الكلاسيكية الأوروبية، لكنها تصوغها بروح محلية تنبع من بيئتها وثقافتها، فتخلق توليفة بين الرومانسية الشرقية والمدارس الغربية.
وتعتمد الشهابية على الديكوباج ليس فقط كوسيلة زخرفية، بل كأداة لإعادة صياغة عناصر بصرية بأبعاد جديدة، فهي لا تكتفي بنقل الصورة، بل تدخل عليها تفاصيل لونية وتعديلات تضيف لها روحًا خاصة، كما في بعض القطع التي تستخدم فيها الزخرفة الإسلامية إلى جانب صور نسوية حالمة، أو تلك التي تدمج فيها مشاهد طبيعية ومفردات زخرفية في تركيب بصري متجانس.
وتُبرز أعمال الشهابية حسًا عاطفيًا دافئًا، وتتناول المرأة بشكل متكرر، كامرأة تتأمل في مرآة، أو أمومة مغلفة بالسكينة، وتقول في هذا السياق: “الفن بالنسبة لي وسيلة تعبير عن كل ما يمرّ في الوجدان، لا أتعمد توجيه رسائل مباشرة، ولكنّ المتلقي يستشعرها حين يتأمل القطعة”.
وتحوّل شغف الشهابية مع مرور الوقت إلى ما يشبه المشروع؛ حيث بدأت بتوزيع أعمالها كهدايا، ثم دشّنت صفحتها الخاصة على “إنستقرام”، وأصبحت تتلقى طلبات خاصة من الزبائن، تناقشهم في التفاصيل، وتعرض التصميم قبل تنفيذه بشكل نهائي، وتؤكد أن لكل منتج جمهوره، وأن بعض الأعمال تلقى إعجابًا واسعًا حتى لو لم تُتقنَ.
ورغم أن الشهابية لم تشارك بعد في معارض فنية، إلا أنها تطمح إلى افتتاح معرض دائم أو استديو خاص بها، وتفكر بجدية في تقديم ورش تعليمية، خاصة للأطفال واليافعين، وسبق لها أن نظّمت ورشة واحدة للأطفال من عمر 8 إلى 15 عامًا، وشعرت خلالها أن هذا النوع من الفنون قادر على غرس الإحساس بالإنجاز في النفوس الصغيرة.
وترى الشهابية في الفن اليدوي وسيلة فعالة، وتؤمن بأن فن الديكوباج رغم قلة انتشاره محليًا يحمل إمكانات كبيرة في توثيق الهوية البصرية للمنطقة.
وقالت: “أحب العمارة التراثية، والملامح الفنية للفن الفكتوري، وأستلهم منها كثيرًا، ولكني أحرص على أن تكون أعمالي ناطقة بجمال القطيف وروحها”.
ولا تنكر نجيبة أن قلة التفاعل مع هذا الفن تمثل عائقًا، لكنها في المقابل تؤمن أن السوشيال ميديا فتحت لها نوافذ جديدة للترويج، خصوصًا عبر “سناب شات” و”تيك توك”، حيث تعرض خطوات العمل وأدوات التنفيذ، مؤكدة على أهمية التوثيق البصري في إيصال الرسالة الفنية.
ورغم انشغالاتها الأسرية ومسؤولياتها كأم لثلاثة أبناء، نجحت الشهابية في تحقيق التوازن بفضل تنظيم الوقت والاشتغال صباحًا على مشاريعها.
وعن رسالتها قالت: “الفن إحساس بسيط لا يحتاج إلى تعقيد، ويمنحك شعورًا لا يُوصف حين تنجز قطعة بيدك وتراها تنبض بالجمال”.
واليوم، تطمح نجيبة إلى دعم مؤسسي يمكنها من إقامة ورشة تعليمية شاملة، وتطوير مشروعها إلى منصة أوسع لتدريب المهتمين بفن الديكوباج.
واختتمت حديثها بكلمات لا تنساها سمعتها ذات يوم وهي: “اجعل الفن يُحيط بك، ولا تدع جدرانك صماء".













