عبد الخالق وطيف الأحلام..

ما قصتك معي يا عبد الخالق..
في عدة رؤىً أراك تسرّي عني، وتسلّي خاطري؛ بابتساماتك العذبة، وضحكاتك الساحرة؛ تماماً كما كنت معنا في دار الدنيا؛ فما أستيقظ إلاّ عن ابتسامة عريضة، وبهجة مشوبةٍ بحسرةِ فراقك أيها الحبيب..
قبل الفجر وبعد وفاته بأيام؛ كنت أتناقش معه حول القطيف وإنسان القطيف..
فقلت له عبارة: "قد تؤثر الحالة الماديّة والماليّة للانسان بالحالة النفسيّة والمعنويّة.."
فسأل باستغراب بدا على وجههِ ونبرةِ صوته وحركةِ يده؛ وكأنه لم يسمعها ولم يجدها في كتاب؛ كيف وهو المحقق المدقق والقارئ النهم: *على رأي من؟*
فقلت جازماً بدون تردد: على رأيي أنا..
فضحك -وحق له أن يضحك- وقهقه كثيراً؛ فبادلته الضحك، وما لبث أن دنا مقبلاً راسي!
فاستيقظت من حلمي الجميل..
اما في ايامِ الصبا فقد رأيته ذات حلمٍ مهموماً مغموماً؛ مفترشاً قارعة طريقِ الخلد بحي الوسادة؛ متعكزا بعكازته -يرحمه الله- ناظراً بطرفه نحو السماء، فقلت له بنجوى الناصح الأمين:
أخي، استشعر اللطف ترَ اللطف!..
ويبدو لي أنّ حياته الملأى بالتعب والمشقة والابتلاء، والمفّعمة بالجدِّ والمثابرة والكفاح؛ لم تغفل بتاتاً هذه الحكمة؛ هاتِ التي لم يسمعها مني إلاّ في طيف الكرى؛ واعلم يقيناً انّي أحوج بها منه ما حييت..
ألا إنّه لم يكن ليستشعر اللطف فحسب؛ ولكنّّه كان يتلبسه تلبس الواثق بالله؛ المتوكل عليه، بعزيمة الصابر المحتسب وبثغرٍ لهجٍ بالشكرِ والثناء على لله عز وجلّ..
ولست هنا إلاّ في مقام المتعطّر بذكره والمتشرّفِ بالدعاء له والترحّم عليه؛ فرحمه الله والموتى المؤمنين والمؤمنات برحمته الواسعة؛ ولا سيّما من رحلوا قريباً عنّا إلى دار البقاء..
امدّ الله في أعماركم في حفظ ورعاية وعفو وعافية، ورزقنا وإياكم الفردوس الأعلى..
_______
* هو الصديق المؤرخ والكاتب الأديب عبد الخالق بن عبد الجليل الجنبي يرحمه الله.



