أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

مفاجأة غير سارة.. الجزء الأول

عبد العزيز شروفنا · القطيف اليومالجمعة 23 مايو 2025، 8:19 م
مفاجأة غير سارة.. الجزء الأول

بعد غياب أمتد لسنوات طوال، تقابل حاتم بالصدفة مع أحد أصحابه الذين كانت تربطه بهم علاقة رفقة امتدّت لفترة من الزمن ايام الشباب المبكرة، . ولكن الزمن باعد بينهما ، و ها هو حاتم يلمحه بعذ طول مغيب ،المكان كان في المستشفى المركزي الحكومي، وتحديدًا جهة الصيدلية حيث كل منهما ينتظر دوره لأخذ الدواء المصروف له .

في البدء ساور حاتم الشك من ملامح وجهه ، إذ انها بدت خشنة ، والتقاطيع قاسية، بخلاف ماكان يعرفه من أريحية وسماحة وبسمة لا تغادر محياه ، كما ان بشرته مالت إلى اللون الأسمر الداكن . بينما أخاديد وجهه أخذت مسارات وحفرت بعمق في جهات مختلفة منه ، راسمة أمواجا غير متسقة سجلت بصمتها على الجبين المنهك ، وأخرى أسفل الدقن، تلك الخطوط بدت وكأنها جداول عميقة حفرتها قساوة الأيام بكل مهارة وإتقان. تأمله في البداية من خلال نظرات خاطفة وربما لم تكن رشيقة، وقد خشي للحظات بأن الذي يظنه ذلك الصديق القديم ربما يكون مجرد تشابه بين شخصين مختلفين ، وكاد أن يغض النطر لولا سماعه أياه وهو يدعو ابنه المعاق للجلوس، عاد الشك ليساويه من جديد ، فهدأ الصوت شبيها ايضا بصوت ذلك الصديق .

حدث حاتم نفسه بالقول : إن كان هذا الصاحب الذي أعنيه ( الذي كان يلقب نفسه بالتاجر ) فسيكون حتمًا تجسيدًا لحطام بشرية على إحدى ضفاف الحياة المهمشة. تخيله لثوانٍ كأنه مكنة أحاط بها الصدأ وحولها إلى كومة من الخردوات المتهالكة.

يقول حاتم :استجمعت قواي العقلية والنفسية لأكلمه ،ولجأت إلى ما تبقى من إرادة، تنحنحت ، لأختبار صحة أحبالي الصوتية وسلامة وظيفتها. ثم حركت قدماي كي أخطو نحوه ،فأحسست أن الدماء لا تزال تسري في عروقها ، إلا أن برودة تسللت إلى أطراف يدي ، ورجفة خفيفة أصابت شفتي بخدر مفاجئ ، عطل من انطلاقة السؤال الذي كان يحوم بشكل هائج بين أضلعي المتقافزة. حيث تذكرت للتو مسألة كنت أجهد نفسي لربطها بما أشاهده، وبين الماضي المترف الذي كان عليه ( صاحبنا التاجر ) فكانت دهشتي واستغرابي يتسعان ، والحيرة تتملكني وتثير في نفسي العديد من الاستفهامات .

فقد كان ينتمي هذا الصاحب ( التاجر ) إلى أسرة ميسورة الحال ، ووالده كان من الوجهاء ، وكان من التجار المحترمين.

يقول حاتم : حاولت عصر الذاكرة ،و أستطعت في النهاية الوقوف على حال هذا الصاحب أيام كنا نتجول ظهرًا في ازقة الحارة التي كنا نسكن فيها ، وكان هذا الصاحب ( التاجر الصغير) يملك كاميرا بلورايد للتصوير الفوري. كان ذلك بداية السبعينيات من القرن المنصرم، فقد كان صاحبي هذا أحد القلة النادرة من الذين يمتلكون هذه التكنولوجيا في ذلك الزمان. كما انه كان يمتلك جهاز تشغيل افلام سينمائية ، وجهاز أسطوانات كهربائي، والعديد من المقتنيات الأخرى التي لم يكن احدا من جيلنا بمقدروه اقتناء حتى واحدة منها ، أما هذا الإنسان الذي اراه الان فشخصية أخرى تماما، فعاد الشك يلعب في ذاكرتي، وأعتقدت انها مجرد اوهام عابرة .

فقررت الخروج لدقائق حتى يحين دوري في اخذ الدواء ، توجهت إلى حديقة المستشفى كي أحظى بقليل من شمس الشتاء الناعمة، ونسمات ربما تكون منعشة لأمسح بها كل ما علق في الذاكرة من خرابيش الماضي وذكريات الهموم الموجعة، عسى أن يعاد ترميم اللحظات الماضية ويحيلها صوب ذاكرة بنفسجية رومانسية في سماء أواخر شهر مارس المشرقة.

ما هي إلا دقائق حتى أطل صاحبنا ( التاجر الصغير ) برفقة ابنه وبنت أخرى تتبعهم برشاقة فائقة وجمال يسلب الألباب، ولم تحجب ثيابها الرثة صورتها من الحضور اللافت. إلا أن مسحات الحزن أضافت إلى ملامحها سنوات أخرى على عمرها، كان هذا يبدو جليًا بين السلوك والشكل. وما كان لافتًا للنظر اهتمامها الشديد بتقديم المساعدة الفورية لأخيها عندما كانت تتعثر قدماه من أحراش الحديقة.

تناول هذا الشخص الذي بدأ أمام شمس مارس أقل كتامة في الشكل مما كان عليه وهو في قاعة الانتظار، ولكن خيوط صفراء تتسلل من تلك الجداول الأخدودية بدأت واضحة للعيان. استل من جيبه علبة الدخان، وعندما اقترب من الكرسي الذي أجلس عليه، شاهدت علبة اخرى أيضًا في الجيب الآخر من جلابيته المنزلية التي كان يرتديها . كان صوته المنكسر وهو يطلب من ابنه، والذي ناداه باسم وسيم، أن يمسك بيد أخته.

يقول حاتم :الحق أنني لم استطع المزيد من الصبر، ولكنني سرعان ما اهتديت إلى أسلوب كان متعارف عليه بين المدخنين، وهو أن تطلب سيجارة من شخص تود التعرف عليه. وهكذا قلت له: لو سمحت أن تعيرني سيجارة. فكان جوابه فورياً : من أي جيب ومن أي نوع من السجائر ترغب؟ والحق أنني قد قطعت التدخين من سنوات لا أعرف عددها، فأجبته: من النوع الذي يدخنه.

استطرد خاتم في قصته :عندما أشعل لي سيجارتي، قال لي: لا أتذكر أنك كنت من المدخنين . فكانت الدهشة بسؤالي: هل عرفتني؟ نظر وحدق مليًا وطال الصمت، ولم أسمع حينها إلا حفيف الشجر وبعض من هديل حمام النخيل. فقد طال النظر من تلك العيون الذابلة التي بدأت تدفع بدموعها وبغزارة دون توقف. وبعد أن هدأت معركة الدموع، مال بوجهه نحو أبنائه، وعندها برزت حدبة كبيرة من أعلى ظهره العريض.

قال وهو يفتعل النظر في غير اتجاهي :كيف لا أعرفك يا صديق العمر! وتابع القول: لم يكن لي إخوة أو أخوات كما تعلم، ولكن كان لي نفرا قليلا من الأصدقاء ، باعدت بيننا السنين الموجعة، وأنت وأحدا منهم. عندما هممت لاحتضنه وأعبر له عن صادق مشاعري نحوه، أومأ بيده بالرفض قائلًا: اعذرني إن امتنعت عن احتضانك، فأنا مصاب بمرض جلدي ناقل للمرض، و أنني مصاب بأمراض أخرى ليس وقت الحديث عنها، كما أنني لا أرغب منك أن تناديني باسمى، فكما تعرف أن اسمي هو على اسم أحد الأطهار، فلا أريد من شخص دنس مثلي وذو تاريخ مليء بكل الرذائل والموبقات أن ينسب نفسه لأحد العظماء .

قلت له: ما هذا الازدراء للذات؟ إني أعرف أنك نبيل ابن أحد شرفاء المجتمع ، وكلنا نرتكب الزلات ، فنحن في النهاية بشر معرضين للخطأ .

يقول حاتم ؛ لم اكد أنهى جملتي ، حتى وصلت بالقرب مننا امرأة رثة الثياب ،يبان من مظهرها وكأنها من سكنة الكهوف ، قد اقتربت نحونا بخطوات متثاقلة ، تمسك بيدها عدة أكياس من الأدوية ، اقتربت إلى صاحبي التاجر الذي عرفني بها . قائلا : هذه زوجتي وابنة عمّي . لم تبدي المرأة أية ردة فعل وكأن إحساسها قد تم تحنيطه، وأصبحت جسدا بلا روح ، طلب منها زوجها أخذ الأولاد إلى السيارة، وقال لها إنه سيتأخر لبضع دقائق ثم سيلحق بهم. وقبل أن ينطق بكلمة، تابعهم بنظراته، وقد فعلت الشيء ذاته حتى وصلوا إلى سيارة هرمة مغبرة. عندها تنفس قليلًا من الصعداء وقال: إنها هي من تقود السيارة وهي من تتولى رعاية الاسرة

طلب التاجر من حاتم الإذن بالحديث ، وعندما تلقى اشارة الموافقة والترحاب .

ابتدأ كلامة بقليل من التلعثم قائلا : عندما كنت شابا يافعا، وكما تعلم كنت وحيد والداي ، كان كل شيئ مباحا ومتوفرا لي ، ولا يَرفض لي طلب ، فأول من امتلك سيارة ترانس ام في البلد ، وأول من اقتنى أفلام السينما ، وكنت البس افخم الملابس ، وكانت الازارير من ذهب ، وكنت أستخدم أغلى العطور وأفخمها ، كنت أرى الحياة عبارة عن متاع وتسلية، وفي مرحلة الطفرة كنت من أوائل الطافرين ، فقد مطرت الدنيا والسماء علينا بأموال لاطائل منها ، وقتها أخذتني الحياة بالزهو والغرور ولعبت بكل ماتتصور او لا يخطر على بالك من فنون اللعب والمجون ، فأقمت السهرات الحمراء في دول الشرق والغرب دون ان احسب لما ستؤول اليه الأمور من حساب ، بل لم اكن أتصور في أية لحظة بأن هناك نهاية لكل تلك المتع ، حتى انني لم اكن اعرف الليل من النهار ' ولا حتىً فصول السنة ، كما انني لم اكن اعرف الصديق من العدو ، حتى عندما عرفت من ان والدي قد مرض وأنا في الخارج لم أكلف نفسي عناء السفر والوقوف بجانبه، كان ( التاجر ) يسترسل في حديثة والدموع تزحف جارية على جداول خدوده المتصلبة ،قائلا : عندما رجعت بعد فترة من احدى سفرات الطيش والاستهتار وجدت والدي قد دخل في غيبوبة ، وسرعان ما وافاه الأجل ، وغادر تاركا والدتي في حسرة وألم ووحدة ، وحينما طلبت مني والدتي ان اكف عن السفر وأتفرغ الى التجارة التي تركها والدي ، بقيت مرغما ولكني نقلت الليالي الحمراء الى المنزل ، وقد تأذت والدتي كثيرا بما كنت افعله ، ورغم ذلك فقد ادعنت لطلبها مرة اخرى في الزواج من ابنة عمي الوحيدة ، والتي أخذت الأولاد مندو قليل ، ولكنها في البدأ كانت زوجة بالاسم لا اكثر ، لم أعاملها معاملة الزوجات ، بل أهملتها وأوكلت لها خدمة امي، سأله حاتم وهو يسترسل في توبيخ نفسه ؛ لماذا تجلب لك كل هذه الهموم الان ، إلا يكفيك استجلاب كل الاوجاع وأنت في هذه الحالة الرثة ؟ ثم ترجاه الاكتفاء وأخذ قليلا من الراحة ، الا انه اصر على مواصلة الحديث
عندما أمنت الى امي من يخدمها ويقوم برعايتها ، شددت الرحال الى من كنت أظن انها بلاد الوناسه والفردوس الأرضي، عندها بدأت التجارة تتعثر ، والأمور المالية تسوء، حيث أنني انفقت ثروتي على البذخ وحب المظاهر ، وبنات الليل ، والشهوات التي لا تنتهي .'

مرضت امي ولم تتحمل ماكنت افعله ، وغادرت بعد فترة ملتحقة بوالدي ، وعندما رجعت من سفري وجدت البيت خالي من وجود الأحباب ، فأصبت بالأمراض وقد استعدت زوجتي بعد ان خسرت الثروة التي شقى من اجلها والدي .

و الان اشعر براحة كبيرة بعد ان تحدثت اليك ، لقد رجعت الى رشدي بعد ان أضعت سنوات العمر ، وتحطمت حياتي ، و أسمح لي يا حاتم فقد اطلت عليك الحديث ، وأشركتك بهموم لا دخل لك بها.

لم يستطع حاتم التعليق ، و غابت الكلمات من فمه ، وعندما هب ( التاجر ) ليقوم من الكرسي الذي أمامه ، تعثر وسقط وغاب عن الوعي ، لقد شاهدت زوجته الحدث ، وجائت مسرعة بتثاقل نحوه ، وقالت بصوت مسموع :، لقد أصيب بالنوبة وأخرجت علبة بخاخ وفتحت فمه، وأفرغت فيه بعدة رشات ثم اخرجت حبة بيضاء وضعتها تحت لسانه ، بعدها بقليل بدأ يستعيد جزأ من وعيه، وبعد أن ان أفاق عرض عليهم حاتم المساعدة ، وخصوصا توصيله الى الوجهة التي يرغبونها ، ، فقالت الزوجة :تعودت على السياقة منذو سنوات طويله كنت اسوق بلباس الرجال ، نهضت وزوجها بين يديها اليابستين وقالت توكل انت على الله سيكون بخير .

وجه حاتم سؤالا إلى صاحبه ، أين تسكن ياصاحبي ، فأته الجواب ، اسكن في منزل أبي المتهالك ، ولكن لاداعي للمجيئ ، فأنا لم اعد أعتبر نفسي من أهل الدنيا ، في وداعة الله .