إليك بُني "5" أريدُ البوح..

اغرورقت عيناه، أصابعه ترتعش، بقربه يتأمله، ضجيج صارخ بداخله، لم ترسم الدموع على خديه هذا الألم الذي يشعر به، ولم تكن أصابعه ترتعش من خلال حركتها، ولكن الرعشة، كنداء في روحه، يصغي له، غائبًا عن الحواس.
أتعلم بُني، لماذا شعر هذا الابن، ذو الأربعة عشر ربيعًا بهذا الشعور، وهو لا يزال في مقتبل العمر؟
دائمًا تُحدق بي، من طرف عينيك، وكأنك مُتلهف للإجابة، سأْجيبك، ولكن ضع يدك في يديَّ، ودع خطواتنا، تُرافقنا بساح الحديقة الغناء، لنذهب.
ما أجمل هذه الابتسامة من شفتيك بُني، يُخطئ من يبحث عن السعادة خارج الأسرة، السعادة كلها، ترفل عبر نبضات أفرادها، ملامح أرواحهم التي تبزغ، كالأفق، تتأمله على وجه صفاء البحر.
هذا الفتى الذي يُبصر في أبيه القدوة الحسنة، والقلب الدافئ الذي يحتضنه، ويلجأ إليه في أيّ شيء.
أتعلم بُني، ذلك الإحساس الذي ينتاب الأب، وهو يرى ابنه يتعامل معه كالصديق، ويعيشه كروحه؛ ليكون حافظ أسراره، لا يُخفي عليه ما يحتاجه، أيضًا الإحساس الذي ينتاب الابن في ذلك، وهو يرى أباه، يتعامل معه كصديق، يُصغي إلى احتياجاته، ويُغذي رُوحه وفكره بهذا الكم من التجارب والخبرات؟
أتعلم بُني، بأن هُناك من الآباء من لا يمنح أسرته قليلًا من الوقت، يُصغي لهم، يُؤنس أرواحهم، يُداعبهم بالكلمات، كمداعبة وجنتي طفلة، تبتسم مع احمرارهما بهجة، ولطفًا.
لا أراني في قدرة على توصيف ذلك، وحمام الزاجل الذي أبعثه إلى شاطئ الإلهام؛ ليمنحني الكلمات، استهوى التحليق بعيدًا عن رغباتي، وكأنه يُبلغني السلام، ويدعوني إلى التأمل، صادقًا بأني سأشعر به، هو الأفضل من كل الكلمات.
أتعلم بُني، أن شُعور الابن بأن هُناك من يُسيء إلى والده بحديث ما، تنزل الكلمات على رُوحه، كبرقٍ جارح..
هذا ما حدث فعلًا، كان هذا الابن في زيارة عائلية، وما بين الزوايا، والأنفس التي تزدحم في المكان، اخترقت الإساءة أذنيه، وأبصر تجهم ملامح، ولا يعلم السبب، صرخ في أعماقه: لماذا أبي؟!
أتعلم بُني، ماذا قال الأب، بعد سماع حديث ابنه؟، أجاب بكل ثقة، فخر واعتزاز:
بُني..
تأكد أن الحياة لا تُنصف الإنسان، فالناس مُتقلبون، من يُحبك اليوم، سيكرهك غدًا، وإن شئت اقلب الكلمات؛ لتكون الصورة أكثر وضوحًا.
تأكد أن المصالح في بعض صُروف الحياة، تجعلك مقصدًا، وعندما تنتهي، ستكون على الطرف، وكأنك لم تكن ذات يوم.
تأكد أن الصفاء الروحي، والمشاعر الصادقة، والأمنيات بالخير إلى الآخرين، هي زادك، وهي جوهرك الذي لا تُحيد عنه، وإن أوجعتك الحياة، وإن وجدت أيامك الآن، تُعيد شريط ذكرياتها، كانت كسراب ماء، لا تحزن، ابتسم فقط، وانظر للأمام..
هُناك في داخلي الكثير من الأشياء، أريد البوح بها، لك بُني، ولكني أجد في كلمات هذا الأب إلى ابنه، تكفيني ارتياحًا؛ كوني افترشتها بين يديك، أعدك بُني، سأحكي لك في لقاء آخر، يجمعنا معًا، الآن، لتذهب إلى حُجرتك؛ لتذاكر دُروسك..



